مايكل ديردا هو مرادف الحياة الأدبية. قيل عنه إنه «أفضل قارئ في أمريكا» ويسهل أن نصدق هذا. فحينما التحقت بواشنطن بوست محررا لقسم (عالم الكتاب) سنة 2022، كنت أعرف أن من أعظم مباهج تلك الوظيفة أنني سوف أتعرف إليه، وأزعجه بطلبي ترشيحات لكتب. وفي حين أنني حاولت أن أقلل هذا الإزعاج ما استطعت، فقد كنت في واقع الأمر أجد فيه بهجة عظيمة.
انضم مايكل ديردا إلى فريق العمل بـ(عالم الكتاب) سنة 1978، وفي عام 1993 حصل على جائزة بولتزر في النقد عن عروضه النقدية، وقد كتب أخيرا زميله في واشنطن بوست الناقد رون تشارلز فقال «لقد نعمت بمتعة عظيمة من تحريري كتابات مايكل على مدى سنين كثيرة. بدا لي ذلك وكأنني أتلقى محاضرة أسبوعية في مراجعة الكتب، ولم يعلمني شيء عن الأدب أكثر مما علمني ذلك».
على مدى أكثر من ثلاثين سنة، كان مايكل كاتب عمود أسبوعي في (عالم الكتاب). وقبل أن يبدو ما أكتبه الآن وداعا، أقول إنه ليس كذلك. لكن مايكل قرر في الشهور الأخيرة أن يتخلى عن إيقاعه الأسبوعي في الكتابة لأسباب طلبنا منه ـ كما سيتبين ـ أن يوضحها فيما يلي. فسوف يستمر ديردا في (عالم الكتاب)، ونحن بالفعل نلح عليه بأفكار مستقبلية لنطمئن بالا، وإن كنت أعلم أنه سوف يأتي بأفكاره العبقرية من تلقاء نفسه. وبرغم تطلعنا إلى إسهاماته المستمرة، رأينا من الصواب أن نتمهل قليلا لكي نحتفي بهذه المناسبة. وفضلا عن مناقشة قراره، نتحدث فيما يلي عن عاداته بوصفه ناقدا، وبعض مقالاته المحببة من سنوات عمله وبعض مما لديه عن الكتاب الذين قابلهم على مدار حياته المهنية.
لماذا قررت التوقف عن الكتابة الأسبوعية؟
هي الأسباب المعتادة للتخلي عن وظيفة بعد سبعة وأربعين عاما. كانت عربة الزمن المجنحة تتسارع، وأبنائي بالخارج، وأردت أن أسافر أكثر مما سافرت، وأزور الأهل والأصدقاء القدامى، وأقيِّم حياتي. وكان ألحّ من ذلك كله عليّ أني احتجت إلى وقت لمراجعة كتاب أعمل عليه منذ سنين، وأؤلف إن حالفني الحظ كتابا آخر أو اثنين.
تلك كانت الأسباب الواضحة، والمباشرة. غير أن اللحظة الحاسمة تمثلت في انتخاب دونالد ترامب. فمرة أخرى صار بلدنا في يدي شخص دأب على السخرية من التعليم والعلم والفنون، ورفض التعاطف والتسامح مع الآخرين، ولا يعلو شيء عنده على الثروة والسلطة وشهرة مواقع التواصل الاجتماعي. فلتعتبرها إشارة عديمة المعنى، لكنني سرعان ما قررت أن تكون آخر مراجعاتي الأسبوعية ليوم أحد هي التي نشرت يوم الأحد التاسع عشر من يناير قبل يوم واحد من توليه المنصب. والآن أرجو بحلول نهاية الربيع أن أستعيد تماسكي الذهني مرة أخرى وأكتب مرة أخرى مراجعات بين الحين والآخر.
ما أصعب شيء في أن تكون كاتب مراجعات أسبوعية للكتب، فضلا عن كمّ القراءة الواجب إتمامه بسرعة؟
أحتفظ بلوحة على طاولتي مكتوب عليها «الحياة؟ طبعا لديَّ حياة. حياة مليئة بالكتب». بالنسبة لي ما من أيام إجازات. أنا أقرأ ببطء، بل إنني في واقع الأمر أحرك شفتي إذ ألفظ كل كلمة، وأحتاج في العادة لأيام عدة كي أنهي رواية أو سيرة، ناهيك بعمل بحثي أو تاريخ فكري. وأضع علامات على الفقرات المحورية، وأدون ملحوظات في الهوامش، وأدون ملحوظات أخرى لنفسي، وأرجع كلما أمكن إلى أعمال مبكرة للكاتب أو في الموضوع. وقدرتي على ممارسة هذا الأمر الأخير هي مبرر امتلاكي مكتبة شخصية. وفي ثنايا هذه العملية، أفكر في أفضل نهج لتناول الكتاب الذي أكتب له المراجعة. فأنا لست كاتبا بالسليقة، لكنني أمتلك ميزة تعوضني عن ذلك هي الدأب. إذ أظل أضبط الجمل إلى أن تبدو على ما يرام بشكل أو بآخر. وفي بعض الأحيان يستغرق ذلك وقتا.
بصفة عامة، أرى أن عرض الكتاب أو عمود الكتب تسلية أدبية في الأساس. فيجب أن تكون الكتابة سريعة، وتجتنب التعالي، وتكون طريفة القراءة. في الأوقات الحرجة، يمكنني أن أكتب بسرعة، لكن في أغلب الوقت يستغرق مني المقال أو عرض الكتاب نحو ثلاثة أيام. في العادة أكمل المسودة المبدئية في يوم عمل طويل من سبع ساعات أو ثماني ساعات. وفي الصباح التالي، أصقل، وأنقح، وأحذف، ثم أبعث المقال في رسالة إلكترونية إلى محررتي، نورا كروج العظيمة، فترد بأفكار واستفسارات ومقترحات. ويفضي هذا إلى مزيد من الإصلاح وإعادة الكتابة إلى أن أشعر بشيء من الرضا على ما أنجزت أو أستسلم ببساطة وأرى أنه ليس في إمكاني أفضل مما كان. واسمح لي أن أضيف أنه من الغرابة أو من المثير للشفقة أنني نادرا ما أجد سعادة تفوق سعادتي بالجلوس إلى لوحة المفاتيح للعمل على عرض كتاب أو لمغازلة جملة. وذلك سر بقائي في الملاعب طويلا.
هل من عروض نقدية قليلة هي الأوضح في ذاكرتك أو الأعز عليك؟ لا لكونها مدائح بالضرورة، بل لكون فعل كتابتها والتفكير فيها بقي عالقا في ذاكرتك؟
هذا سؤال دقيق. كتبت ذات مرة مقالة من عدة آلاف من الكلمات لـ(عالم الكتاب) استعرضت فيها عددا من الدراسات الإنجيلية في ذلك الوقت. لا بد أنني قرأت عشرين كتابا، لكن المشروع برمته كان مجزيا للغاية. في حياة أخرى، حصلت على دكتوراه في الأدب المقارن، ولديّ جانب بحثي يروق لي أن أطلق له العنان بين الحين والآخر.
وأيضا كتبت ذات مرة عمودا عن إنفاق ثلاثة أسابيع في قراءة ستة مجلدات هي قوام ترجمة آرثر وولي لـ«حكاية جينجي» لموراسكي شيكيبو. كان ذلك الكتاب اكتشافا، وقد قادني إلى استكشاف الأدب والثقافة في اليابان. وكانت لي تجربة مماثلة مع «الشهنامة» للفردوسي في ترجمة ديك ديفيس للملحمة الفارسية، وكذلك مع رائعة جين وولف المخاتلة المعقدة «كتاب الشمس الجديدة» التي تعد ذروة أدب الخيال العلمي في القرن العشرين.
على مدى السنين، اكتشفت نحو دزينتين من الكتاب المعاصرين الذين لمستني أعمالهم بما فيها من سحر أو قوة. وراجعت لهم من كتبهم ما استطعت. ومن هؤلاء راسل هوبان، وجون كرولي، وجيمس سولتر، وستيفن ميلهاوزر، وجيلبرت سورينتينو، وجاي دافنبورت، وأنطوني هيكت، وم. ف. ك. فيشر، وأنجيلا كارتر، وتيري براتشيت، وجاك فانس، وجون سلاديك، وروبرتسن ديفيز، ودانييل بينكووتر، وبينيلوب فيتزجيرالد. فضلا عن ذلك، أعتقد أنني لا بد أن أكون قد راجعت كل كتاب غير أكاديمي مبكر مما كتب عن إيفلين واو وفلاديمير نابوكوف.
الحقيقة أنني أحببت الكثير من الكتب. في صدر شبابي، كان طموحي هو أن أقرأ كل كلاسيكيات الأدب في العالم، ولا يزال أمامي الكثير لأقرأه.
آه، ولكن يجب أن أذكر عرض الكتاب الذي كثيرا ما أستحضره في أحاديثي. كان أقرب إلى التسوية بالأرض لرواية «الوهج» لجوديث كرانتز وبدأتها بقولي «لقد قرأت أغلب الوهج في جلسة واحدة. وكنت مرغما على ذلك، لأنني لم أكن متأكدا أنني لو تركتها يمكن أن أرجع إليها». أما الانعطافة، التي لن أوردها هنا، فأفضل حتى من الاستهلال. لكن الشاعر دبليو إتش أودن أقنعني بأن كتابة مراجعات سلبية ساخرة للكتب ـ وهو بالمناسبة أمر يسير تماما ـ يضير بشخصية المرء، فحاولت أن أتجنب ذلك بقدر المستطاع.
هل لديك واقعة مفضلة لأحد مقالاتك إذ أدى إلى مراسلات مع مؤلف الكتاب؟
بصفة عامة أجتنب التعرف إلى الكتاب الذين يعجبونني لأن معرفتي بهم سوف تجعلني أجتنب مراجعة كتبهم. ومع ذلك، أعد جيمس سولتر وتوم ديش صديقين عزيزين، وكان بيني وبين آي إس بيات ما يشبه مراسلات نمائمية، وحظيت بمكالمات هاتفية كثيرة وطويلة مع أنجيلا كارتر. ومن أفضل ست ساعات أو سبع في حياتي الراشدة تلك التي قضيتها في الحديث عن الكتب والكتّاب مع جاي دافنبورت في منزله بليكسينجتون في ولاية كنتاكي. وأصابني الذهول حينما تلقيت رسالة من صفحتين من جون أبدايك يثني فيها على سيرتي «كتاب مفتوح».
وأضيف أنني حينما انضممت إلى (عالم الكتاب) كان تدريبي عبارة عن الاتصال بالكبار والكبيرات من الأدباء والأديبات لاستكتابهم المراجعات ولكن السبب الرئيسي للاتصال كان ببساطة أنني أردت التحدث إلى السير هارولد أكتون، ومالكولم كاولي، وكينيث بيرك، وستيفن سبندر، وكريستوفر إيشروود، ومورلي كالاجان، وبيتر كوينيل، وريكس وارنر، وإليانور كلارك، وريتشارد إلمان، وروبرت جيرو. وفي وقت لاحق، استمتعت بالثرثرة أو تبادل الرسائل مع باحثي الأدب البارزين من أمثال هارولد بلوم، وجوزيف فرانك، وروجر شاتوك، وفيكتور برومبيرت الذي لا يزال معنا حتى الآن.
ومع ذلك كله، فأقرب أصدقائي كانوا دائما من عالم الخيال العلمي وروايات الرعب والفنتازيا ومن زملائي المتفانين في حب شرلوك هولمز ومن مقتني الكتب من شتى أرجاء العالم.
إضافة إلى عملك المشهود له في النقد، كتبت أيضا الكثير من الكتب فقوبلت بمراجعات نقدية جيدة. ما الذي يمكن أن ننتظره منك في هذا الصدد؟
أحاول أن أعيد العمل على مخطوطة طويلة ـ قوامها حاليا مائتا ألف كلمة ـ وعنوانها المبدئي «عصر الحكي العظيم»، وتركز على الأعمال السردية الشعبية في بريطانيا في فترة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وهي أبعد ما تكون عن الدراسة النقدية، ولكنها بالأساس عمل قائم على التذوق والتحزب وموجهة إلى محبي القراءة.
بعيدا عن ذلك، أرجو أن أجمع بعض المقالات التي كتبتها بين الحين والآخر لـ(عالم الكتاب)، وملحق التايمز الأدبي، وغيرهما، ثم أتبع ذلك بكتاب مقالات نقدية مماثلة للموجودة في كتابي «الملزم بالإرضاء». كما أنني أنتجت على مدار السنين حفنة قصص قصيرة، ونشرتها في مجلات مخصصة للحكايات الغريبة أو لشيرلوك هولمز، فقد أحاول أن أكتب القليل من ذلك. فالقص الأصيل يبدو مجاوزا لقدراتي، لكنني أستمتع بالمحاكاة والمعارضات.
وليس أقل اهتماماتي أنني قد أحاول كتابة سيرة عن العمل في واشنطن بوست. لقد بدأت استعراض الكتب في (عالم الكتاب) سنة 1977، بخبر موجز عن «في جبال الانتحار» لجون جاردنر، ثم بدأت العمل محررا مساعدا سنة 1978 حين كنا لا نزال نكتب بالآلات الكاتبة على ست طبقات من الورق، ثم ننزلها للصف عبر أنابيب. لا يمكنك أن تتخيل كم كان كل شيء مثيرا، كأنك تعيش نسخة جديدة من فيلم «الصفحة الأولى». أحببت ذلك. ولكن، لا أظنني خمنت ما سيكون عليه المستقبل حينما حدث ذات أصيل سعيد أن كتبت بعناية رسالة إلى محرر (عالم الكتاب) آنذاك بيل مكفيرسون سائلا عن إمكانية أن أقوم يوما ما بكتابة مراجعة لرواية، أو سيرة، أو أي شيء على الإطلاق.
جون وليمز محرر في جريدة واشنطن بوست
نشر الحوار في واشنطن بوست بتاريخ 8 فبراير 2025
0 تعليق