"شامة سوداء أسفل العنق": قراءة نقدية من منظور أكاديمي

الغد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
عمان - ناقش الأكاديميون والنقاد الأدبيون مضامين رواية "شامة سوداء أسفل العنق" للروائي جهاد الرنتيسي، وتقنياتها السردية، وسلطوا الضوء على الأسلوب الروائي الذي اعتمده الرنتيسي، بما في ذلك استخدام تقنيات السرد المتنوعة، مثل الرسائل الورقية وتيار الوعي، وكيفية تأثير هذه الأساليب في بناء الرواية وتفاعل القارئ مع الأحداث والشخصيات. اضافة اعلان
كما ناقشوا، في الندوة التي نظمتها نقابة الصحفيين الأردنيين، وجمعية النقاد الأردنيين، ودار المرايا للثقافة والفنون، ملاحظاتهم النقدية حول الشخصيات والأمكنة السردية، فضلاً عن إشكالية التداخل بين الواقع والتخيل في الرواية. تأتي هذه المادة لتسجل أبرز المداخلات والأفكار التي تم تناولها في الندوة، مع التركيز على النقاط التي أثارها النقاد حول البناء الروائي وأثره على القارئ.
قال د. زهير توفيق "إن المتلقي لهذه الرواية هم النقاد وليس القراء، نظرًا للتعقيد الموجود في الرواية"، مبينًا أن الروائي اعتمد على تقنية الرسائل المكتوبة أو الورقية في سرده الروائي، وهي تقنية سردية مألوفة، مثلها مثل تقنية المذكرات والمخطوطات، إلا أنها فقدت اليوم معناها وجاذبيتها بتطور وسائط التواصل والاتصال. وتمثل هذه التقنية بديلاً عن الراوي العليم في السرد، وتمنح الروائي حرية التصرف والتخفف من ثقل الضمير وكبت الأشياء المتعبة التي لا تسمح للراوي بقولها للمتلقي وجهًا لوجه.
وأشار توفيق إلى أن الرسائل تشكل قناعًا لما يريد الكاتب (الراوي العليم) قوله، وتحول الراوي إلى سارد ضمني لكسر السياق التقليدي لتنامي الحدث والشخصيات. لقد أصبحت الرسائل الورقية جزءًا من الماضي، لكن الرنتيسي قرأ مرحلة تاريخية من الماضي القريب الذي سبق ثورة الإنترنت ووسائط التواصل، للخروج من هذا المأزق، وبالتالي، قدم المسوغ الموضوعي للاعتماد على هذه التقنية.
وأضاف توفيق، أن السرد في رواية "شامة سوداء"، سار على حبل مشدود بين الأمانة التاريخية لمرحلة حساسة تحتاج الموضوعية، أو التصوير الفوتوغرافي للواقع الموضوعي، أي إعلاء أهمية المضمون الحقيقي، ممثلًا بالشخصيات الحقيقية والأماكن والتواريخ وضرورة الانحياز لها، وبين التخييل، وبناء واقع فني متخيل بمحاكاة خلاقة.
وفي هذا السياق، لم يكن الوصف أو الحوار المتناثر أو المونولوج هنا وهناك لإبطاء السرد، فلم يكن لدى جهاد الرنتيسي هذا الترف والإحساس، بل كان ضرورة منطقية لكشف طبيعة الشخصية ورؤيتها للأمور بلسانها، وإشراك المتلقي في إنتاج النص وتشكيل ثيماته الخاصة.
وخلص توفيق إلى أن الرواية تتميز بثراء الأمكنة، لكن هذه الأمكنة اتخذت طابعًا مختلفًا وتصنيفًا مغايرًا للتصنيف التقليدي: أماكن داخلية وخارجية، أو أماكن أليفة وغير أليفة.
من جانبها، قالت الدكتورة نداء مشعل، إن الروائي اعتمد في روايته على بناء روائي قائم على تيار الوعي، وهي تقنية حداثية متداخلة مع تقنية تقليدية هي الرسائل، وهذا بدوره شكل سلاحًا ذا حدين؛ الأول منهما صعوبة متابعة القارئ العادي وفهمه لأحداث الرواية بسبب تعقيد بنيتها وغياب الحدث بالمعنى التقليدي للحدث الروائي، والتداخل بين الأزمنة والأمكنة والأصوات السردية من ناحية، واتباع أسلوب مختلف تقنيًا من ناحية أخرى. فالمعروف أن بناء الرواية على تيار الوعي يجعلها لا تتبع تسلسلًا زمنيًا مباشرًا، بل تعتمد على التداخل الزمني حيث تتشابك لحظات الحاضر مع ذكريات الماضي، كما هو الحال مع جواد الديك الذي نراه في مشهد في الكويت مع أم عامر أو في مقر جريدة القبس، وفي مشهد آخر في قبو في دمشق، وهكذا. وهذا بدوره يجعل الحبكة غير خطية، بل تتشكل عبر مقاطع متقطعة من السرد، يتم تجميعها تدريجيًا من خلال وعي الشخصية، حيث تستدعي ذكرياتها من خلال محفزات حسية أو عاطفية.
ورأت مشعل أن الرنتيسي احتاج إلى خيط ناظم يحاول من خلاله جمع هذا الشتات، فلجأ إلى تقنية الرسائل ليمزج بينها وبين تيار الوعي، وتتناوبان في طرح أفكاره. ففي حين سمحت تقنية تيار الوعي للقارئ بأن يغوص في عقل الشخصية الرئيسية ويتعرف إلى أفكارها وهواجسها بشكل مباشر وغير مباشر، فإن تقنية الرسائل، حين امتزجت بتيار الوعي، خلقت تباينًا بين البوح الداخلي العفوي (تيار الوعي) والصياغة الواعية والمنظمة للرسائل. وهذا من جانب، أما من ناحية أخرى، فإن وجودها يحقق التعدد الصوتي (البوليفونية) في السرد؛ فهناك صوت السارد الذي يتقاطع مع صوت جواد، وهناك صوت فانيسيا في الرسائل، مما يجعل وجهات النظر متعددة وأكثر موضوعية ويعكس التوتر بين البعد الشخصي للشخصيات والبعد الاجتماعي أو السياسي الذي تعالجه الرواية.
وأشارت مشعل إلى أن استخدام تقنية الرسائل هنا غالبًا ما كان يتبع أسلوبًا زمنيًا مرتبًا، وتحوي آراء فانيسيا المختلفة، سواء ما يتعلق بفيلم الفلسطيني وظروف إنتاجه، أو آراءها في الثقافة والفن والحياة؛ فيكسر النمط التقليدي في الرواية ويجعلها أكثر حيوية وتشويقًا. ما يمكن قوله هو إن رسائل فانيسيا لم تكن مجرد خطاب ناظم فقط للأحداث (مع التحفظ على أن هناك مبالغة في الاعتماد عليها، وكان يمكن الاستغناء عن بعض ما ذكر فيها لأنه لم يضف شيئًا للموضوع، لا سيما ما يتعلق بالفيلم)، بل كانت الصورة الأخرى، النقيض للبطل؛ فعلى العكس من جواد الذي كان يعيش حالة من الضياع والتخبط وقد فقد البوصلة في كثير من الأحيان، كانت فانيسيا تحافظ على قيمها وآرائها وتعرف ما تريد من الحياة والثقافة والفن، وبالتالي كان يرى فيها ما يحلم به.
وأشار الدكتور يوسف ربابعة، في ملاحظاته حول الرواية، إلى أن الشخصيات المجهولة بلا هوية، وهي مجرد زخم من الأسماء التي لا تؤدي أي دور في بنية الأحداث أو السرد، وبالتالي تبقى مجرد أسماء لا تؤثر في تطور القصة.
ثم تحدث ربابعة عن تأثيرات الشخصية، مشيرًا إلى أن الشخصيات كانت مكرهة على تبني مواقف سياسية بشكل مباشر، وكانت تتبنى مواقف الفكرة نفسها، مما يجعل الشخصيات تبدو متشابهة ولا تملك تنوعًا في مواقفها. كما. وفي سياق آخر، تحدث عن السرد في الرواية، معتبرًا أنه متقطع ويشتت الانتباه، مما يقلل من قيمة السرد ويضعف من انسيابة اللغة.
من جانبه، شكر الروائي جهاد الرنتيسي المشاركين على قراءاتهم، ثم قام بالرد على مداخلات المتحدثين، قائلاً إن التجريب هو روح الإبداع، ولا بد من الخوض فيه إلى أبعد مدى من أجل الخروج من نمطية المحتوى والشكل الروائيين ورفع سقف التعبير، مؤكداً أهمية النقد في تنشيط وتطوير المنتج الإبداعي، داعياً إلى إخراج الفعاليات الثقافية من مظاهر "الزفة" و"العرس" عند تناول العمل الإبداعي، احتراماً للإبداع وعقل المتلقي.
وأشار الروائي، في معرض ردوده، إلى أنه يراهن في كتاباته الروائية على القارئ الواعي المستعد للبحث إن اختلطت عليه الأمور، مشدداً على أن القراءة هي حالة تفاعلية وليست وسيلة تلقين للمتلقي. ودافع عن شخوصه الروائية، قائلاً إنها موجودة في الحياة اليومية، وإن كانت شخصيات مركبة في الرواية. وجدد تأكيده على ضرورة تناول التاريخ من زوايا مختلفة عما أفرزته أدوات صناعة الوعي المصاحب لبناء الدولة القطرية، مشيراً إلى أن المواطن يتعرض لعملية تزييف وعي منذ ذلك الوقت.
وخلص الرنتيسي إلى أهمية تفكيك التاريخ وخلخلة مرجعياته في الكتابة الروائية، مشيراً إلى أن تاريخ المنطقة لم يُكتب بعد، مما أدى إلى عملية إعادة إنتاج للوعي المزيف. وأكد الرنتيسي على مواصلة مشروعه الروائي قائلاً إن هناك ما لم يقله بعد، مشيراً إلى أن القصة القصيرة تراوده بين الحين والآخر.

0 تعليق