في حضرة المسيطر

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أ.د. فراس محمد


تكاد أكثر المجالس الرسمية وغير الرسمية، لا تخلو من ذلك الشخص الذي وجد، لينفذ عملياته الهجومية على كل حوار، والتي تنتهي باحتلاله وسيطرته على الحوار الدائر، لماذا؟ لا تعلم، ولكنه حقق نوعاً من السيطرة.

في بعض الأحيان، وعندما تكون في مجلس ما، تظن لوهلة أنك ستتبادل الآراء بطرحك لموضوع أو مشاركتك فيه، وستستمع لأكثر من رأي، وإذا بك تجد نفسك في معركة حوارية بعيدة على الرأي، أحد أطرافها يتكلم في كل شيء، ويقاطع كل متحدث، نوع من البشر يجد في نفسه الناطق الرسمي لكل شيء، لا يهمه محتوى ما يقول بقدر ما يهمه أن يقول، عادة هذا النوع من البشر لا يهدف إلى النقاش، بل مهاجمة المناقش، فكلما تهيأت لقول جملة، بادر بنظرة تأهب يعقبها هجوم، وكأن بينه وبين الآخرين منافسة على الحديث ومن يتصدر النقاش، يقف وبيده العصا، فما إن بدأ أحدهم قوله: «في رأيي.. «إلا وقاطعه بقوله: «لا، لا، الفكرة ليست بهذه الصورة..»، ليبدأ بعدها بتقديم الرأي والشرح من طرفه، ويصر على إكمالها مع أنها لا تستند لأي منطق، وإذا طلبت منه أن يتوقف ويسمح لك بإتمام حديثك، اعتبر ذلك اعتداء على حدوده السيادية وبداية غزو، في الواقع هو لا يستمع إلى ما يدور، وإنما ينتظر دوره في الكلام، وهو دور متجدد لا ينتهي، أما نبرة الصوت وحركات الجسد، فهي ملعب مستقل، فيقاطع بإشارات ونبرة صوت، تشعرك والحاضرون أنكم أمام كبير القوم والناصح الحكيم، وبعد كل ذلك وعدد متكرر من المقاطعات، تجده فجأة يقول لك: لم لا تترك فرصة لغيرك ليتحدث!، هذا النوع موجود حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يترك حديثاً أو رأياً إلا وعلق عليه، وعادة يدخل بتعليق مثل «لنكن واقعيين» ليبدأ بعده بسرد الخيال الذي يخطر على باله في تلك اللحظات، خيال بعيد عن الواقع، لكنه مقدم بصوت قوي ونبرة عالية.

السيطرة على الحوار قد تدل في حالات على ثقة المتحدث، وذلك عندما تكون لها ضرورة، وتكون في محلها، لكن مع هذا النوع من البشر الذي تحدثنا عنه، غالباً ما تكون بعيدة عن الثقة وسببها الخوف من سماع رأي مخالف بعيد عن توجهاته، أو أنها تغير صورته عند الآخرين، لذلك تجده دائماً يحاول إقناع الآخرين، ولا يريد أن يقتنع بغير قناعاته، الأثر السيء لهذا النموذج يقع على الأبناء والشباب الذين يحضرون هذه المجالس، فهم لا يتربون على أن الإنصات فن يجب إتقانه، وإنما يربون على أن من يتكلم أكثر يفهم أكثر، وأن الردود السريعة تحتل الحوارات.

ختاماً، إن لم تستطع الإنصات فلا يكن بديلك الحديث، وإن لم تمتلك شجاعة الاستماع لمن يخالفك، فلا يكن بديلك الادعاء بأنك صاحب الحق الذي يجب أن يعرفه الجميع، فالحوار والحديث شراكة وتبادل، وليس صراعاً للبقاء.

* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق