كتب - خالد بن محمد البلوشي ضنك - ثويني اليحيائي المضيبي - علي بن خلفان الحبسي "تصوير: سعيد الراشدي"
مع اقتراب عيد الفطر المبارك، تشهد مختلف ولايات سلطنة عُمان حراكًا اقتصاديًا نشطًا، مدفوعًا بالإقبال الكبير على الأسواق التقليدية، حيث تبرز "الهبطات" كمحطات رئيسية للتسوق واقتناء مستلزمات العيد، ورغم تطورات العصر، لا تزال "الهبطات" تحافظ على مكانتها كموروث اقتصادي واجتماعي يعكس تمازج التراث بالحياة العصرية، ويجسد أجواء العيد في الأسواق العُمانية.
هبطة الكامل والوافي
شهدت ولاية الكامل والوافي بمحافظة جنوب الشرقية نشاطًا اقتصاديًا من خلال "الهبطة" التي تقام على مدار يومين في منطقتين مختلفتين بالولاية، وتُقام سنويًا قبيل أيام العيد، حيث يجتمع التجار التقليديون في هذا الملتقى التجاري ليتحول السوق في غضون ٥ ساعات إلى نقطة جذب للتجار والمستهلكين، معززًا الحركة التجارية في الولاية ومؤثرًا على نشاطها الاقتصادي.
لكن هذا السوق شهد تغيرًا هذا العام حيث انطلقت فعالياته منذ عصر اليوم الذي يسبق إقامته في كل منطقة، بعد أن قام عبدالله بن خليفة الراسبي وحمد بن وني الهاشمي، عضوا المجلس البلدي، بجهود حثيثة لتهيئة أماكن البيع وتوفير الإنارة والإشراف على المواقع، وقوفًا عند رغبة أغلب الباعة والمستهلكين في إقامة الهبطة في الفترة المسائية لتستمر حتى صباح اليوم التالي، حيث تجول الناس في أجواء مسائية باردة ولطيفة بين أكشاك ومنافذ البيع في المساء الذي يسبق موعد الحدث الفعلي مع أطفالهم، ترتسم على ملامحهم البهجة والسرور.
فيما شهدت الفترات الصباحية في الموقعين وجود أسواق المواشي، التي تعد من أبرز مظاهر الهبطة، حيث يرتفع الطلب على الأغنام والأبقار مع اقتراب أيام العيد، مما يؤدي إلى زيادة النشاط التجاري وانتعاش الأسواق، ويحرص المربون والتجار على جلب أفضل الأنواع، مستفيدين من ارتفاع الطلب على الأغنام المحلية الصغيرة (المواليد) كونها جزءًا مفضلًا في أهم وجبة في العيد بمحافظة جنوب الشرقية وهي "العرسية"، وكان متوسط الأسعار ما بين ٥٠ إلى ٩٠ ريالًا عُمانيًا تقريبًا، فيما بدأت أسعار الأغنام الأكبر من ١٢٠ إلى ١٦٠ ريالًا عُمانيًا، وبدأت أولى عمليات الشراء من سعر ١٣٥ ريالًا عُمانيًا، ويواجه المستهلكون تفاوتًا في الأسعار وفقًا لجودة الماشية والعرض والطلب، فخلال الأيام التي تسبق الهبطة، تتغير الأسعار بناءً على عدة عوامل، منها العرض والطلب، وتكاليف النقل والعلف، ومدى توفر المواشي محليًا مقارنة بالمستوردة.
ويشهد السوق ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار نتيجة زيادة الإقبال، بينما قد تنخفض الأسعار في حال وفرة العرض، وفي كل الحالات يرى البائعون أن الأسعار ترتفع بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف والغذاء الحيواني، كما يؤدي التفاوض دورًا رئيسيًا في تحديد الأسعار النهائية، حيث تعتمد الأسواق التقليدية على مهارات البيع والشراء بين البائعين والمشترين، وبالرغم من وجود نظام المزايدة والمناداة، إلا أننا لا نشهده بشكل ملحوظ في أسواق الولاية.
كما شارك الأطفال في عمليات البيع والشراء من خلال بيعهم للطيور والحمام والأرانب التي يربونها، وهذه تجربة تعليمية واجتماعية تسهم في تعزيز الثقة بالنفس ومهارات التواصل والمفاوضة، وتعزز روح المسؤولية لدى الأطفال تجاه أنفسهم واعتنائهم بالطيور والحيوانات التي يمتلكونها.
ولم تقتصر الهبطة على بيع المواشي فحسب، بل شملت أيضًا منتجات محلية مثل السمن والعسل والتمور والمكسرات والحلوى العُمانية، ناهيك عن وجود السندويشات المحشوة بالكيما والبيض التي يتسارع لشرائها الأطفال وكأنها وجبة مخصصة ليوم الهبطة، والفشار، والذرة، والبطاطس المقلية، وتأخذك رائحة المشاكيك إلى عالم آخر، بالإضافة إلى وجود بائعي العصائر ليرووا عطش الأطفال، مما يوفر كل ذلك دخلًا إضافيًا لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمنزلية.
ويتهافت الأبناء برفقة آبائهم لشراء الألعاب المختلفة كالسيارات والبالونات والطائرات الورقية والدمى، ويحظى الآباء بفرصة شراء العطور والمصار وغيرها من المنتجات، وشهدت الهبطة بسطات وأكشاك للأدوات التقليدية مثل "معكاس العرسية" وهو المضرب الذي يقوم بخلط الأرز مع اللحم المطبوخ ليكون بالقوام المطلوب، وهو مصنوع من جذع النخيل، وشهدت المواد الغذائية ارتفاعًا في المبيعات، حيث يحرص الزوار على شراء أغلب مستلزمات العيد من الهبطة كونها المكان الذي يجمع التجار الشعبيين، وقد يتواصل معهم بعض المستهلكين بشكل خاص قبل الوصول لمواقع البيع بسبب تعودهم على الشراء من أشخاص معينين بناءً على الثقة التي استمرت لسنوات.
كما استفاد الحرفيون وأصحاب المهن التقليدية من هذه الفعالية من خلال عرض صناعاتهم اليدوية مثل الخناجر والبنادق والعصي والمحازم والسعفيات والمباخر والنسيج، مما يدعم ذلك قطاع الحرف اليدوية، وتُسهم في إبراز المنتجات العُمانية وتعزز القيمة الاقتصادية للحرف التقليدية، خاصة مع تزايد الاهتمام بالسياحة الداخلية.
وبالرغم من أن الهبطة فعالية تراثية، إلا أنها تُعد محركًا اقتصاديًا مهمًا، حيث تُنشط الأسواق، وتوفر فرص عمل موسمية، وتدعم التجار وأصحاب الحرف، ومع استمرارها ستظل هذه الفعالية نموذجًا حيًا للتكامل بين التراث والاقتصاد، حيث تعكس توازنًا بين الحفاظ على العادات العُمانية القديمة ودفع عجلة التنمية الاقتصادية في مجتمعاتنا المحلية.
أسواق شمال الشرقية
وتواصل الأسواق في محافظة شمال الشرقية حركتها التجارية النشطة مع اقتراب عيد الفطر المبارك، حيث يشهد سوق سناو إقبالًا ملحوظًا على بيع الماشية، بما في ذلك الماعز والأغنام والجمال والأبقار، التي تتدفق إلى السوق من مختلف ولايات سلطنة عُمان، وتسجل حظائر بيع الثروة الحيوانية في المحافظة نشاطًا مكثفًا، وسط ارتفاع ملحوظ في الأسعار مقارنة بالسنوات الماضية، مدفوعًا بزيادة الطلب.
ورغم غياب بعض مظاهر الهبطات التقليدية في بعض الأسواق، استعادت بعض الأسواق الأخرى زخمها التجاري، حيث شهدت هبطات أسواق الروضة ولزق بنيابة سمد الشأن بولاية المضيبي حركة بيع نشطة، مع توفر مختلف السلع والكماليات التي يحتاجها الأهالي استعدادًا للعيد، وتعد الهبطات جزءًا أصيلًا من التحضيرات الاحتفالية، إذ تتيح فرصة لشراء مستلزمات العيد، وتوفر منصة للتجار وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة لعرض وبيع منتجاتهم.
إلى جانب ذلك، تشهد الأسواق والمحال والمراكز التجارية انتعاشًا ملحوظًا خلال الفترة المسائية، خاصة في متاجر الملابس والكماليات التي تلبي احتياجات الأسر من مستلزمات العيد، ما يعكس الأجواء الاحتفالية والاستعدادات المكثفة لاستقبال المناسبة المباركة في المحافظة.
هبطة ضنك
وشهدت فعاليات هبطة عيد الفطر المبارك في سوق البلدية بولاية ضنك بمحافظة الظاهرة، انتعاشًا ملحوظًا في حركة البيع والمزايدة وإقبالًا واسعًا من المواطنين والمقيمين لشراء مستلزمات العيد، حيث انطلقت فعالياتها منذ ساعات الصباح الباكر وسط حركة تجارية نشطة، لا سيما في عرصة بيع المواشي.
وسجلت أسعار الأغنام المحلية في السوق ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغ أعلى سعر 160 ريالًا عُمانيًا، بينما وصل سعر بيع الأبقار المحلية إلى 364 ريالًا عُمانيًا، في حين بلغ سعر الضأن الصغير المحلي 90 ريالًا عُمانيًا.
وأوضح سالم بن علي النقبي أن هبطة ضنك تميزت بتنوع المنتجات والسلع المعروضة، حيث شملت مستلزمات العيد من المواشي إلى الحلوى العُمانية التي تحظى بإقبال واسع، نظرًا لما تمثله من عنصر أساسي في مائدة الضيافة في البيت العُماني، مضيفًا إن الحلوى يتم إعدادها بأنامل عُمانية وتمزج بمكونات فاخرة مثل الهيل والزعفران وماء الورد والمكسرات، مع تفاوت أسعارها وفقًا لعوامل العرض والطلب والأحجام.
ورغم عزوف بعض الشباب عن ممارسة مهنة البيع بالمزاد في سوق ضنك لانشغالهم بأعمال أخرى، لا تزال الهبطة تمثل إرثًا عُمانيًا متجذرًا يجمع العائلات والأصدقاء، ويوفر فرصة لتبادل التهاني والتبريكات بمناسبة عيد الفطر المبارك، وتسهم في تعزيز النشاط الاقتصادي في السوق.
0 تعليق