ميزانية استثنائية.. لمرحلة اقتصادية دقيقة

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في عام 1978 سجّلت البحرين سابقة عالمية حين اعتمدت لأول مرة ميزانية تمتد لسنتين ماليتين، في خطوة أشادت بها مؤسسات دولية مرموقة، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، حيث كانت هي أول دولة في العالم آنذاك التي تعتمد هذا النظام، وها نحن اليوم نشهد مواصلة البحرين هذا النهج المتقدم عبر اعتماد الميزانية العامة للسنتين الماليتين 2025–2026، لكن في ظرف اقتصادي دقيق يتطلب تخطيطاً أكثر واقعية، وقرارات أكثر جرأة.

اليوم وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، تتجدد التجربة في ظل ظروف أكثر تعقيداً، وفي سياق اقتصادي دولي يتسم بالتقلبات وضغوط التصنيف الائتماني.

إن اعتماد ميزانية الدولة للسنتين الماليتين 2025-2026 لا يعدو كونه مجرد عبور إجرائي في أروقة التشريع، إنما هو ثمرة سبعة اجتماعات مشتركة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، شهدت نقاشاً جاداً، ومداولات مكثفة، وترتيباً دقيقاً لأولويات الدولة.

فمنذ الاجتماع الأول في أكتوبر بدأ فريق وزارة المالية والاقتصاد الوطني عمله بشفافية وكفاءة، مستنداً إلى آليات تنسيقية مع مختلف الجهات الحكومية، ومُفعلاً مبدأ العمل المؤسسي الاحترافي، وتكثف هذا الحراك مع دخول شهر رمضان، حيث استمرت الاجتماعات بوتيرة عالية وعمل دؤوب من قِبل فريق العمل إلى ساعات الفجر وعطل نهاية الأسبوع، بقيادة معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، الذي لم يكتفِ بإدارة الملف، بل خاض فيه بتفانٍ، استحق معه لقب «الدينامو» كما وصفه العضو خالد المسقطي رئيس اللجنة المالية خلال جلسة مجلس الشورى.

هذه الميزانية وهي الأكبر في تاريخ البحرين من حيث مخصصات المشاريع والإسكان والصحة بنيت على فلسفة مالية توازن بين الإنفاق التنموي والانضباط المالي، وتحقيق الاستدامة دون الإخلال بالعدالة الاجتماعية، في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعيشها العالم.

وقد جاء تحسين المستوى المعيشي للمواطن في صدارة أولويات هذه الميزانية كمبدأ تأسيسي جرى ترجمته في تفاصيلها الدقيقة، إذ حرصت الحكومة على الحفاظ على كل الدعومات الموجودة للمواطنين، بل وعزّزتها بإضافة نوعية تمثلت في رفع علاوة المتقاعدين بمقدار 40 ديناراً، في خطوة تعكس التزام الدولة بمسؤوليتها الاجتماعية، واستمرارها في تعزيز الحماية المعيشية، حتى في ظل ظروف مالية دقيقة.

في بُعدها الاقتصادي، تستجيب هذه الميزانية لضغوط اللحظة، خصوصاً بعد تعديل وكالة «فيتش» للنظرة المستقبلية للبحرين إلى «سلبية»، والتحدي اليوم لم يكن في تفادي الانعكاسات المباشرة لهذا التصنيف، إنما في إدارة الرسائل المالية الموجهة للأسواق، من خلال الاستمرار في تحقيق فائض أولي للعام الثالث على التوالي، بعد أن تجاوز العجز في 2018 أكثر من مليار دينار.

كما تميزت هذه الميزانية بطرح برامج تشغيل مبتكرة، أعلن عنها وزير العمل، وتستهدف توظيف 25,000 بحريني سنوياً، بينهم 8,000 خريج جديد، إضافة إلى دعم تمكيني شامل لـ50,000 مواطن عبر برامج تدريبية وتمويلية خلال عامي الميزانية، وهذه الأرقام تؤكد على التزام البحرين بالاستثمار المباشر في رأس المال البشري، وضمان ديناميكية سوق العمل.

وتُحسب لمعالي وزير المالية والاقتصاد الوطني المرونة السياسية التي أظهرها خلال المداولات، سواء بالموافقة على تعديل بعض البنود، أو بالتجاوب مع مطلب النواب خلال الجلسة بصرف الزيادة للمتقاعدين بأثر رجعي، ما يعكس عقلية إصلاحية قادرة على احتواء الأولويات التشريعية ضمن الإطار التنفيذي دون المساس بتوازنات الدولة المالية.

في جانب موازٍ لا يقل أهمية عن الأرقام والسياسات، برز مشهد لافت يعكس نضجاً مجتمعياً متقدماً: التفاعل الشعبي مع مشروع الميزانية لم يكن عاطفياً، بل اتسم في معظمه بالوعي والمسؤولية، فبالرغم من محاولات بعض المنصات والحسابات في وسائل التواصل الاجتماعي توجيه النقاش نحو الإثارة أو التشكيك، فإن المزاج العام ظل متزناً، مدفوعاً بإدراك جمعي بأن الملفات الاقتصادية تتطلب توافقات لا شعارات.

هذا الوعي المتزايد، الذي رصدناه من خلال ردود الفعل والتحليلات والتعليقات العامة، لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة لمسار ديمقراطي رسّخته البحرين خلال السنوات الماضية، وأنتج بيئة سياسية واقتصادية أكثر انفتاحاً ومشاركة، وهذا يضع أمام الدولة تحدياً مستقبلياً واضحاً: مواصلة بناء الثقة من خلال الشفافية، وتعزيز الشراكة المجتمعية في صياغة الأولويات، لأن المعادلة لم تعد تقتصر على صانع القرار وحده، بل بات المواطن جزءاً فاعلاً من معادلة الاستقرار المالي والاقتصادي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق