المعـرفة، التمثـلات والصور النمطـية

صحيفة عمان 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بين المعـرفة التي نـكـوِّنُـها عن الأشياء والظّـواهر الاجتماعيّـة والإنسانيّـة، من جهـة، والصُّـوَر النّـمطيّـة التي نرسُمها عنها من جهة ثانية، فارقٌ في الماهيـة والأسس وفي عمليّـة البناء الذّهـنيّ لها (= للمعـرفة بالموضوع المفَـكَّـر فيه أو المنظـور إليه). تـتوسّـل المعرفـة أدوات عـدّةً متـبايـنـةً بتـبايُـن الموضوع الذي تـتـناوله: استـقراء، مقارنـة، تعليل، استـنـتاج، تحليل، نـقـد... إلخ. والغالبُ عليها - إذْ تستخـدمـها - الحرصُ على تحـرّي الـدّقّـة والموضوعيّـة في تناوُلـها ما تبحث فيه والتـزامِ الحياد تجاه موضوعها؛ لأنّ في ذلك القريـنة الماديّـة على أنّها معرفة حـقًّا، ومَناطَ صِـدْقـيّـتها لدى مَـن يطلبونـها وينـتظـرون منـفـعةً من منـتوجـها. معنى هذا أنّـه تَـبْطُـل معـرفـةٌ لا يكون مبْـناها على أساس الموضوعيّـة والحياد والتّـجرُّد الذّاتـيّ، حتّى وإنْ كـان نشـدانُ موضوعيّـةٍ تامّة أمرًا في حكـم الامتـناع، في ميـدان الإنسانيّـات خاصّـة، وحتّى لو كان حـظُّ تلك المعرفة من «مطابَـقـة» الواقع ومن الدّقّـة متواضـعًا؛ فهاهنا مكان محفوظٌ للقاعـدة الفـقـهيّـة التي تقـول: «ما لا يُـدْرَك كُـلُّـه لا يُـتْـرَك جُـلُّـه».

لا يـنطبق معنى المعرفة، بـهذا التّعريف، على معنى تلك التّـمثُّـلات المتـخيَّـلَـة التي يمكن أن يكـوِّنها أيٌّ منّـا عن موضوعٍ، أو ظاهرةٍ اجتماعيّـةٍ، أو تاريخٍ مضى، أو خصـمٍ...، والتي تـنـتـقـش في الأذهان صورًا ثابتـةً تكـاد أن لا تـتغـيّـر مع كـرور الزّمـن. الغالب على تلك التّـمثُّـلات والصّـور أنّها انطباعيّـة أكـثر ممّا هي مُـفَـكَّـر فيها، وأنّها تـتـولّـد من افـتراضات أغـلبُـها تَـخـيُّـليّ ومـدفوعٌ، على الأرجـح، بواعـزٍ ذاتيّ تـدخُـل فاعلـيّـتُـه في تشكيلها.

وأكـثرُ ذلك الواعـز الذّاتيّ مشحونٌ بطاقـةٍ تبـثُّها الذّاتُ - الفرديّـة والجماعـيّـة - في الوعـي فـتجـنِّـده للـدّفاع عن الهُـوِيَّـويّ فيها دفاعـًا مباشـرًاً، من طريق بـناء صُـوَرٍ عن تلك الذّات تُـشْـبِع الشّـعور بأنًا مـمـيَّـزَة أو مصـطَفَـاة، أو دفاعًا سلبيّـًا، من طريق إنتاج صُـوَرٍ بعـينها - سلبـيّـة وأحيانًا شيطانـيّـة - عن آخَـر يُوقِـظ وجودُهُ شعـورَ الذّات بنـفسها ويستـنـفـرها ضدّه.

على أنّ الصُّـور التي من هذا الجنس الانطباعيّ والتّـخيُّـليّ لا تـلبث أن تستحيل صورًا نمطـيّـة أو منـمـَّـطَـة، معـلَّـبَة لا يدخُـلها الهـواء! ويحْـدُث أن تصير كذلك مع رسوخها بمفعـول الزّمـن، الذي يحتاج أيضًا إلى عـمليّـة توطيـدٍ من طريق إعادة إنتاج هاتيك التّـمثُّـلات والصّـوّر وخَـلْعِ الوثوقـيّـة عـليها.

من البيّـن هـنا، إذن، أنّ الأمر في إنـتاج الصُّـوَر النّـمطيّـة لا يتـعلّـق بمسلكٍ فـكريّ أو معـرفيّ؛ إذْ يستطـيـع مَـن يصطـنـعها أن يكون على قـدْرٍ عظيـمٍ من الجهْـل بما يتحـدّث عنه أو يرسم في وعيه ومخياله صورةً مّا عنه! وما أكـثر تلك المُـنَـمَّـطات التي تـكـوّنت، في المجتمعات والثّـقافات، من مـوادَّ صِـفْـريّة، أي من جهْـل مُطْـبِـق، بـل إنّ الغالب عليها أن تـنـموَ على ضفـاف أيِّ معـرفـةٍ حـقٍّ أو على مبْـعَـدةٍ منها: قريـبًا من العَـمَـاء والفـراغ الرّمـزيّ.

يُـفـسِّـر غيـابَ حاجـةِ الصّـور النّـمطـيّـة إلى المعرفة أنّها تـأتي، على الأغـلب، في شكـل منتـوجٍ تـتـجمّـع فيه كيـميـاءٌ من العناصر غير المطابِـقـة: مـن تضخيـمٍ وتهـويـلٍ وتسـخيـفٍ وكـذبٍ واختـلاقٍ وخـداعٍ وإثـارة...، وسـوى ذلك ممّا يدخـل في تكـوين تـقـنية التّـزوير والمخادعة وما يصطحبها من أغـراض: التّـخويف، التّـحريض، استـنفار مشاعـر الكراهيّـة وما في معنـى ذلك.

إنِ اكـتـفيـنا باستخـدام عبارات معـرفـيّـة لـتعليل ظاهـرة غَـناء إنتـاج الصّـور النّمـطيّـة عن كـلّ معـرفـةٍ قـلـنا إنّ عمـليّـة إنتاج تلك الصّـور هي، من حيث نصابُـها وأدواتُـها وتقـنيـاتُـها، أقـرب ما تكـون إلى الإيـديولوجيا (بمعناها الإيـيستيـميّ) منها إلى المعرفة.

على أنّ ارتـفاع الحاجة إلى المعرفة في عـملـيّـة إنتاج الصّـوَر النّمطيّـة عن موضوعٍ مّا ليس يعني، أَلـبَـتَّـةَ، أنّ الذين يتعـهّـدون تلك العـمليّـة من الإنتـاج بالرّعايـة ويقـومون عليها أشخاصٌ جَـهَـلَة تمامًا أو في حكـم الجَـهَلـة؛ فـلقـد يكون لديهم مقـدارٌ مّـا من العِـلْـم بالموضوع الذي هـم منخـرطون في اصطناع صُـوَرٍ عنه، غيـر أنّ الحيّـز الذي يـقع توظيـفُـه من ذلك العلم هـو الحيّـز الذي يمكـنه إمْـدادُ صانعـي تلك الصّـوَر بما يحتاج إليه هـدفُ صناعـتـهم أو - لِـنَـقُـل على وجْـهٍ من الدّقّـة - إنّـه ذلك الحيّـز المتمـثّـل في المـوارد التي تسمح بإساءةِ صورَة مَـن تُـبْـنَـى عنهم تلك الصّـور النّمطـيّـة.

هكـذا يُـوَظَّـف المعلومُ - وهـو قـليلٌ أمام أكـثـرٍ مجهـول - في عـمليّـة الإنتاج تلك توظيفـًا سلبـيًّـا؛ حيث الغـرضُ منه نشـر الجهل (التّجهيـل) لا العلـم؛ التّعميـة لا الإيضاح؛ الحجب لا الكشـف. وغـنيّ عـن البيان أنّ إحـراز نجاح محـقَّـق في بلـوغ تلك الغايات يعـتمـد على مـدى ما يمـكن إحرازُه من نجـاح في عمليّـةٍ أخرى موازيـة رديـف: الاستـثمـار في جهـل الجمهـور.

هكذا نصطدم، مـرّةً أخرى، بالجهـل بما هـو حاجـةٌ حيويّـة في منظـومة تصنيع الصّـور النّمطـيّـة لا مندوحـة لها عنها كي ينـتـظـم عـملُـها ويستـقيـم.

ما من حاجـةٍ بـنا إلى التّـنـفيـل في باب بيـان الفـروق بين مَـن يُـنـتـجـون ذينك النّمـطيْـن مـن التّـمثُّـلات (= المعارف والصّـور النّـمـطيّـة)؛ فهُـم معـروفـون، وهُـم لا يَـسْـتَـوُون: العلمـاءُ والمـفكّـرون والباحثـون الدّارسون، من جهـة، ومهـنـدسو التّـمثُّـلات النّـمطيّـة المُـعلَّـبَـة من صنّـاع الرّأي العامّ ومن ضبّـاط التّـعـبئـة والتّجيـيـش الجماهيريّـيْـن من جهـة أخرى. بيـئةُ عملِ الأوّليـن (الجامعات، معاهـد البحوث، مراكـز الدّراسات...) غيرُ بيئـةِ عـمـلِ الأخيـريـن (وسائـط الإعلام)، والجَـهْـدُ المبذول في البيـئـتـيْـن ليس متكافـئـًا ولا قابـلًا للقيـاس قياسَ قيـمـةٍ ومنـفعـة، مع ذلك، صـوتُ الأخيـرِيـن أعلى، ومنتوجُـهم القَـوْلـيّ أفـعـل (وأشـدّ فتـكـًا)، ومستهـلكـو بضاعتـهـم الرّديئـة أوسـعُ انتـشـارًا، وآثارُ تنميطـاتـهـم عميقةٌ في الوعي الجمْـعيّ وفي مَـسْلك الأفـراد والجماعات. هكذا نُـلفي أنـفسَـنا أمام الحقـيقة التّالية: لقد تـعـرَّض مشهـد العلاقات بين المجتمعات وبين الثّـقافـات، في عـالم اليـوم، لشـرْخٍ عميـق منـذ حصل الانتـقالُ من عصـر المعرفـة وأدواتـها إلى عصـر الميـديـا!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق