واجهت النسويات مع حرب الإبادة امتحانا.. لم يكن امتحانا حقا، فكلمة امتحان أو اختبار تحمل معاني التحير، والمجاهدة للتثبت من الموقف. إلا أن خيارهن الأخلاقي كان واضحا وحاسما دون تردد: لا مجال للحديث عن الحريات الشخصية والجنسية لأشخاص تهدد حياتهم. ومعركة التحرر من الاستعمار، من الحصار، من السجون، من القتل الممنهج هي ما يجب على ناشطات العالم العمل لأجله في هذه المرحلة الحرجة.
دعم النسويات العربيات للمقاومة وضع استمرارية مبادراتهن على المحك. حيث خسرن شطرا لا يستهان به من التمويل الذي كان يضخ عبر المؤسسات الأوروبية.
رحلة النسوية البيضاء من الفوقية إلى الفوقية: واجهت النسوية لعقود خلال القرن العشرين نقداً بشأن افتراضها تشابه أحوال النساء، وتشابه مطالبهن، وتنصيب أنفسهن كمتحدثات باسم نساء الكوكب. لمجابهة هذا النقد اتخذن موقفا جديدا. حيث رحن يؤكدن على الفارق الثقافي، وأهمية احترام تقاليد المجتمعات غير الغربية. فالختان تقليد شرقي، والساتي تقليد هندي، وزواج القاصرات تقليد إسلامي.
تجادل اوما نارايان (Uma Narayan) أستاذة الفلسفة المتخصصة في النسوية ما بعد الاستعمارية بأن هذا التأكيد على اختلاف الثقافات يفترض وجود ثقافة ثابتة (جوهرية) أن ثمة ما يمكن تسميته ثقافة هندية، عربية، إسلامية. في تناقض مع تفكيرهن بالجندر. فهن يرفضن فرض أدور للنساء أو تحديد ما يعنيه أن تكون امرأة، لكنهن يؤمن أن ثمة ثقافة، ويتوقعن من النساء المنتميات لها أن يكن مسلمات بها. عوضا عن اعتبار التقاليد الثقافية شيء متطور ومتبدل، يُقبل أو يُرفض، يُراجع، ينمو مع ناسها. تقليد مثل الساتي الهندي (الذي تحرق فيه المرأة مع نعش زوجها) يصبح «ثقافة هندية» في تعميم لتقليد غير شائع في كل الهند. هذا الإصرار على اختلاف الآخر، اختلاف ثقافته، يعيد تكريس المنظور الفوقي للبيض مقابل الآخر، الأكزوتك، ذو الثقافة الخاصة.
النسويات اليوم، بأفعالهن الرافضة للتنازل عن حقوق الإنسان كل إنسان: القول بأن حقوق الإنسان ودعاوي المساواة هي قيم غربية يتجاهل حقيقة تعايش هذه القيم مع عقود من العبودية والاستعمار والنيل من حقوق النساء سواء في المستعمرات أو في العالم الغربي. يتجاهل أن الأطر والمعاهدات هي في الحقيقة نتيجة صراع طويل من قبل هذه الفئات المهمشة والمضطهدة، لأجل أن ينظر إليهم باعتبارهم مستحقين للقدر نفسه من العدالة والكرامة والحقوق. هذه القيم هي على عكس ما يروج له نتيجة لصراع الجنوب العالمي ضد الإمبريالية.
تكشف نسويات الغرب في مواضيع اهتمامهن ومعالجتهن لقضايا العالم عن هذه الخصلة، بالتركيز على ما يعتبرنه مهم بالنسبة لهن (حرية اللباس، الحريات الشخصية)، وإهمال الحياة «المجردة» للبشر. إنهن يفشلن في النظر لأبعد من مصافحة اليد، وغطاء الرأس. إنهن يُعلين اهتماماتهن الثانوية لموضع يساوين فيه بين حياة المرء (أو المرأة تحديداً) وحريته، والقضايا الثانوية، في انعدام لا يصدق للحساسية الأخلاقية.
وتكشف المؤسسات الثقافية عن قدرات كامنة للهيمنة والابتزاز والمعاقبة. التمويل الثقافي ورقة مقايضة، ورقة ضبط، جزاء، عقاب، ورقة ضامنة بأن يتكلموا من خلال من يمولون.
إن كنا نريد استعادة أصواتنا حقاً فعلينا أن نعمل اليوم نحو قبول التسامح والانفتاح، أن تمنح مؤسساتنا لا مؤسساتهم للشابات والشباب مساحة حرة للعمل.
0 تعليق