قد تجد نماذجَ على بعض المسؤولين ممن ينغمسون في أداء أعمالهم وواجباتهم وإدارتهم للقطاعات «المؤتمنين عليها»، ينغمسون فيها «حتى النخاع»، لكنْ رغم ذلك تجد مشاعر استياء تنبعث من داخل هذا القطاع، وتحديداً من عدد لا يُستهان به من الموظفين.
غالباً ما يستغرب المسؤول، إذ لماذا يحصل ذلك، رغم أننا جادون في العمل، ورغم أننا في إجراءاتنا العملية نحرص ألا نتجاوز أو نخالف، بالتالي أين المشكلة؟!
المشكلة يا سيدي في «اختلال الميزان» بالنسبة للتعامل مع الموظفين، وهنا أتحدث بالتحديد عن «ميزان العدالة».
دائماً أقول في الشأن الإداري ضمن النصائح الموجّهة للمسؤولين، بأنك مهما عملت ومهما فعلت، ولو واصلت النهار بالليل وأنت تعمل، فإن غياب «العدالة» في إدارتك أو تقييمك للموظفين هي «الفيصل» الذي يحدّد نجاحك أو فشلك، وطبعاً هذا المعيار بالنسبة لإدارة أحد أهم رؤوس الأموال التي تعتمد عليها الأعمال، وأعني هنا «رأس المال البشري».
الرسول صلى الله عليه وسلم أوردَ حكمةً إداريةً مرتبطةً بالقيادة والعدالة في التعامل، إذ قال: «من لا يُؤثِر الناس فليس منا». وهنا الإشارة إلى مبادئ مهمّة مرتبطة بأُسس القيادة الناجحة، من خلال ترسيخ مبدأ «العدالة» والحرص عليه في بيئات العمل، وثانياً «الاهتمام بالبشر»، وذلك من خلال التعامل العادل بينهم ودون تفضيل لفئة على فئة.
القائد «العادل»، لابد وأن يحرص على «عدالة توزيع المهام»، بحيث يجعل الموظفين يدركون أنهم يعملون في فريق واحد، كلٌّ له تخصّصه ومسؤولياته، وأن القائد لا يتحيّز لأي جانب، بل تعامله عادل مع الجميع. وهذا يقودنا للتركيز على مسألة «الدعم الإداري» الذي يُقدّم للفريق، إذ يجب أن ينتبه القائد لمسألة أن الموظفين ينظرون لبعضهم بعضاً، وأيضاً ينظرون إليه وكيف يتعامل معهم كمنظومة، بالتالي حينما يجدون دعماً إدارياً لا محدوداً يُوجَّه لأفراد معيّنيين، بينما يغيب عن آخرين، هنا تبدأ التوترات في بيئة العمل، وتتحوّل الطاقة فيه إلى طاقة سلبية ويبدأ الإيمان بالعدالة يختل بقوة.
وهنا نقطة خطيرة يقع فيها بعض المسؤولين، إذ تجد المؤشرات واضحة لديه جداً عبر دعمه لأفراد معيّنيين دون آخرين، وقد يكون النوع الثاني أكثر كفاءةً وخبرةً وإنجازاً، وهنا المصيبة حينما تبدأ التصنيفات، ويكتشف بأن التحيّز لمن هم محسوبون على المسؤول، وكأنه يريدهم أن ينجحوا رغماً عنهم، وكأنه يريدهم أن يصبحوا مميّزين وهم في الواقع أصحاب أداء عادي جداً، وهناك آخرون يفوقونهم ويتفوقون عليهم بشكل ظاهر. هنا التشكيك في عدالة المسؤول سيكون سيد الموقف.
ومثلما العدالة في التعامل مع الأفراد وتقديم الدعم لهم، مهم جداً «تأصيل» العدالة في عملية اتخاذ القرارات ومنح الحوافز والترقيات. إذ ما هو شعور الموظف المجتهد الذي ينتظر ترقيته لسنوات، وهو يرى موظفاً آخر مستواه عادي أو ضعيف وهو يحصل على ترقية كل عام، أو حوافز ومكافآت بشكل غريب؟! أو يتم التعامل معه بأسلوب مختلف مع الآخرين، أي بأسلوب «على رأسه ريشة»؟! ما هو شعور الموظفين لو وجدوا حالات «شاذة» كهذه؟!
هذه الكارثة ستحوّل بيئة العمل لمجتمع «إشاعات» وبيئة «تناقل للكلام»، وسيتمّ التشكيك في مصداقية المسؤول وحتى نزاهته، وسيتحوّل الوسط المهني إلى «وسط سلبي وقاتل»، وستنتشر سمعة سيئة وسوداوية عن المكان في المجتمع.
كل هذه الكوارث تحصل حينما «تغيب العدالة» في بيئات العمل، حينما يظن المسؤول أن من حقه التعامل مع البشر «على مزاجه»، بينما هذا التحيّز منهيٌّ عنه، وبينما هذا «التمييز» مرفوض بالقوانين والأعراف.
فقط نُذكّر أي مسؤول لا يكترث بالعدالة في عمله، تذكّر بأن أحد أسماء الله الحسنى هو «العدل». ونقطة آخر السطر.
0 تعليق