تخفيض الائتمان وتحديات الاستدامة المالية

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في عالم الاقتصاد كما في الحياة، تبقى الثقة هي المحرك الأساسي لكل شيء، فهي العنصر الخفي الذي يحدد قدرة الدول على جذب الاستثمارات، وتأمين الاستقرار المالي، وضمان استدامة النمو، فعندما تعدل وكالة «فيتش» نظرتها المستقبلية للبحرين إلى «سلبية»، فإن ذلك مؤشر يستدعي التمعن في دلالاته، وقراءة انعكاساته بوعي ومسؤولية.

الخطر لا يكمن في تغيير التصنيف بحد ذاته، بل في تأثيراته المحتملة إذا لم يُتخذ ما يلزم من تدابير استباقية، فأي خفض جديد في التصنيف الائتماني يضع تحديات إضافية أمام القدرة التمويلية للدولة، ويرفع كلفة الاقتراض، ويؤثر على ثقة المستثمرين، فالديون ستصبح أكثر كلفة، والأسواق أكثر حذراً، مما قد يفرض قيوداً أشد على الإنفاق العام، ويدفع نحو مراجعة الأولويات المالية بعقلانية أكبر.

غير أن الأزمات وبالرغم من تحدياتها، ستصنع الفرص لمن يُجيد إدارتها، ومع تزامن هذا التطور مع مرحلة إعداد الميزانية العامة للسنتين الماليتين 2025-2026، فإن الفرصة سانحة لتوجيه دفة الاقتصاد نحو استدامة مالية أكثر صلابة، وهذه اللحظة تتطلب قرارات مدروسة تعزّز الانضباط المالي، وتبعث برسائل طمأنة إلى الأسواق، وتدعم الاستقرار الاقتصادي بعيداً عن الحلول المؤقتة.

والنجاح في هذا المسار لا يتحقق بجهود منفردة، بل يستدعي شراكة حقيقية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث يرتقي التعاون من كونه ضرورة إدارية إلى كونه ركيزة استراتيجية لمواجهة التحديات، فكل إجراء مالي هو استثمار في مستقبل الدولة، وكل توافق على رؤية اقتصادية متماسكة هو صمام أمان يحفظ البحرين من أي ارتدادات سلبية، ولقد قطعت البحرين أشواطاً طويلة في ضبط الإنفاق، وتعزيز الإيرادات، من خلال برنامج التوازن المالي، الذي كان ضمن سياسات مدروسة تستوعب تحديات الواقع وتستشرف آفاق المستقبل، وهذه الجهود هي نهج راسخ يدرك أن الاستدامة المالية ليست خياراً تكتيكياً، وإنما ركيزة جوهرية لضمان الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.

وفي سياق هذا النهج، لا تُقاس السياسات المالية بحجم المصروفات فحسب، بل بمدى انعكاسها على الاستقرار والتنمية، فعملية إعادة ترتيب الأولويات لا تعني تقليص الإنفاق بقدر ما تعني توجيهه بذكاء نحو مسارات أكثر إنتاجية، وتعزيز الإيرادات لا يكون عبر فرض أعباء إضافية، بل بابتكار حلول مستدامة تعزّز النمو، كما أن القرارات الاقتصادية الناجحة لا تُبنى كردود أفعال، بل كرؤية استراتيجية توازن بين احتياجات الحاضر ورهانات المستقبل.

وإذا كانت الأزمات تصنع التحديات، فإنها أيضاً تفتح آفاقاً جديدة لمن يُحسن استغلالها، والبحرين أثبتت عبر تاريخها أنها قادرة على تجاوز العقبات، بفضل رؤيتها الاستراتيجية، والتكامل الوثيق بين مختلف مؤسساتها، والإصرار على مواصلة الإصلاحات، واليوم نحن أمام اختبار جديد يتطلب الارتقاء بالحوار الاقتصادي إلى مستوى التحديات المطروحة، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وبما يضمن مصالح الوطن والمواطن على السواء.

لقد كان «فريق البحرين» دوماً نموذجاً في العمل الجماعي وتحقيق الإنجازات، واليوم أمامه فرصة أخرى ليؤكد قدرته على تجاوز التحديات وتحويلها إلى منطلق جديد لمسيرة التنمية، فالاقتصاد، كما في الحياة، يقوم على الثقة.. والثقة تُبنى بالعمل الجماعي والعمل بروح الفريق الواحد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق