سنشد عضدك بأخيك

صحيفة عمان 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

سعود بن عبدالله السليماني لوحة الفنان: عادل أصغر

هناك من يصف الأخ أو الأخت بأنهما رفيق الطفولة وأول الأصدقاء، والآخر يراه السند والظهر الذي لا ينكسر إلا بموته، وربما ذلك الأخ ما هو إلا أب آخر أو ابن في بعض الأحيان، أما من يشعر بالأمان بقربه فيرى بأن الأخ هو ذلك الجندي المجهول الذي يحميك كأنك وطنه الجميل، والجميع يتفق على أن «الأخ أو الأخت كلاهما نعمة من الله».

يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة القصص الآية 35: «قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانًا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون»، والمراد في أول الآية بـ«سنشد عضدك بأخيك» أي سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك، وهي دلالة على أهمية الأخ، وفي آية أخرى يقول سبحانه: «ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًا».

إذا كان الله عز وجل قد ذكر «الأخ» في كتابه العزيز فهذا يدل دلالة قطعية على قيمته في الحياة ومنزلته في نفوس الأخوة، والأخ والأخت هما السند والعضد لبعضهما البعض، لا فرق ما بين أنثى وذكر، فكلاهما مصدر للقوة والعزة والتآلف والمحبة.

لو فتحت أمهات الكتب، وبحثت في أعظم مكتبات العالم، فإنك لن تجد حديثًا أجمل مما قيل عن الأخ والأخت، وربما تصدم بأن هذا الموضوع تم تناوله في الروايات والقصص والأدب العربي والعالمي على حد سواء، فمهما كانت القضية المحورية والعمق الذي يدخلك في كهوف مظلمة ثم يخرجك من اليم، تتلفت حولك بحثًا عن ذلك الأخ الذي يضحي ويعلم ويوجه ويقف كالجبل يصد عنك الرياح العاتية، وعندما تفقده ستدرك كم خسرت من قوتك في الحياة الدنيا.

من الأمور المحزنة التي نراها اليوم في بعض العائلات كقوله تعالى: «تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى»، وهذا ما يجعلنا نتوقف قليلاً لـ«نحمد الله تعالى» بأننا بعيدون عن الشقاق الذي لا ينفع والطمع الذي لا يشبع، فهذا أمر نهانا عنه ديننا الإسلامي الحنيف، وأمر لا يجب أن يكون أو نقبله على أنفسنا أو نتمناه للغير، ومفاده أن بعض الأسر تعاني من شتات أسري وإجحاف للحقوق لبعضهم البعض، وضياع للقيم الأسرية، وانتشار واسع لنزاعات لا تنقضي بين الأخوة، وهو ما يرفضه الإسلام جملة وتفصيلًا. لقد أصبحت «المادة» هي المحرك الأساسي في بعض العلاقات بين الإخوان، واستطاعت أن تأخذ شكلًا وبعدًا إنسانيًا ذميمًا، وأصبحت الأطماع الذاتية تغلب على المصالح الجماعية بحيث أصبحت الشغل الشاغل الذي سيطر على عقول بعض الناس، ولذا أعمت الأطماع بصائرهم وأججت الفتن والبغضاء بين الأخوة، وقلبت قلوبهم على بعضها البعض بالأحقاد والغل والتفرقة.

بالمقابل، هناك أسر «قد رضي الله عنها وهداها إلى سبل الرشاد»، فهي لا تزال متحابة ومتضامنة وآمنة مطمئنة، يسند كل منهما الآخر في تعبه ويشاطره في فرحه. إن الأخ والأخت قد خرجا إلى الحياة من نسيج واحد، وظهرا إلى الوجود ليكون كل طرف منهما داعمًا للآخر في السراء والضراء، فرابطة الدم لا يمكن مقارنتها مع أي رابطة أخرى حتى وإن كنا مقتنعين بأن هناك رابطة أقوى من الأخوة في بعض الحالات.

يقول مصطفى السباعي: «الإخوان ثلاثة: أخ تتزين به، وأخ تستفيد منه، وأخ تستند إليه، فإذا ظفرت بمثل هذا فلا تفرّط فيه، فقد لا تجد غيره».

ينشأ الشقاق والنزاع بين الإخوان، وتتحول المودة إلى قطيعة، فيستأسد كل من نازعته ملذات الدنيا ومتاعها الزائل على إخوته ظلمًا وطغيانًا وهو يعلم بأن الخطيئة تسدل ستارها عليه من رأسه إلى أخمص قدميه، ويدرك أيضًا بأن الحياة الدنيا عبارة عن وجع يأتي وآخر ينجلي، وعزاء هنا، وفرح هناك، وتنقضي الأيام ويمضي العمر سريعًا، والعاقل هو من اتخذ منها لأخراه. وهنا نستذكر شيئًا ربما أجده مناسبًا لتذكير نفسي ومن معي حول قصة قصيدة «لا دار للمرء بعد الموت يسكنها .. إلا التي كان قبل الموت يبنيها»، فقد ساق القصة الكثير من المصادر ومنها ما يُحكى أنَّ رجلًا ذهب إلى علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- لكي يكتب له عقد بيت، فعندما نظر علي رضي الله عنه إلى الرجل فوجد أنه يشتري الدنيا ولا يترك شيئًا للآخرة، عندما رآهُ هكذا فكتب إليه: «فاشترى ميتًا من أموات بيتًا في دار المذنبين وعنده أربعة حدود، أما الأول فيأخذ بك إلى الموت، والثاني يأخذ بك إلى القبر، والثالث يأخذ بك إلى الحساب، والرابع يأخذك إما للجنة وإما للنار».

فقال الرجل لعلي: يا علي، أتيت لكي تكتب لي عقد بيت، وإذا بك تكتب لي عقد مقبرة!

فقال له علي بن أبي طالب:

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت

أن السـعادة فيـها ترك ما فيـــها

لا دار للـمرء بعــد المـوت يسكنـها

إلا التي كان قبل المـوت بانيـــها

فإن بنـاها بخـير طـاب مسـكـنه

وإن بنـاهـا بشــــر خاب بانيـــــها

أمــوالنـا لــذوي المـيراث نجــمعها

ودورنـا لخــراب الــدهر نبنيــها

أبَعد هذا القول لا يمكننا أن نقول غير إننا يجب أن نتواد مع إخوتنا فهم العزوة والسند والظهر الذي نحتمي به، وأن لا تغرنا الحياة الدنيا بأطماع تنسينا أرحامنا وأهلنا، وعلينا كذلك أن لا ندع الشيطان يقف بيننا فيوسوس لنا شرًا ويجلب لنا التعاسة والشقاء. إخواننا هم عون لنا، وعلينا تقديرهم واحترامهم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق