في وادي السيليكون، حيث الابتكار والتغيير السريع أساس كل شيء، تعود إلى الواجهة عبارة إدارية قديمة: اختلف ثم التزم (Disagree and Commit) وهذه العبارة ليست مجرد شعار، بل هي نهج إداري يُستخدم لتسريع عملية اتخاذ القرار وتعزيز الإنتاجية داخل الشركات الكبرى.
ومؤخراً، أعاد أندرو بوزورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة «ميتا»، استخدام هذه العبارة عندما خاطب الموظفين الذين لم يكونوا راضين عن تغييرات سياسات الشركة الأخيرة، قائلاً: «إما أن تغادروا أو تختلفوا ثم تلتزموا».
وهذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى جيف بيزوس، المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لشركة «أمازون»، الذي استخدمها كجزء من فلسفته الإدارية لتحقيق التوازن بين سرعة التنفيذ وحسم القرارات.
جذور المبدأ عند جيف بيزوس
وفي رسالة للمساهمين لعام 2016، أوضح بيزوس هذا المفهوم تحت عنوان «اتخاذ القرار بسرعة»، مشيراً إلى أن استخدام مبدأ «اختلف ثم التزم» يمكن أن يختصر الكثير من الوقت في النقاشات الداخلية. وكتب بيزوس: «إذا كنت مؤمناً بشدة بتوجه معين حتى لو لم يكن هناك إجماع، فمن المفيد أن تقول: ’أعلم أننا نختلف، لكن هل يمكنك المجازفة معي؟ هل يمكنك الاختلاف ثم الالتزام؟‘».
وأوضح أن هذا النهج يساعد على اتخاذ قرارات أسرع، حيث لا يتطلب الأمر إقناع جميع الأطراف قبل المضي قدماً.
وضرب بيزوس مثالاً من تجربته مع«أمازون ستوديوز»، حيث كان لديه شكوك حول نجاح مشروع معين، لكن فريقه كان متحمساً له. وبدلاً من تعطيل القرار، كتب إليهم: «أنا أختلف ولكني ألتزم، وآمل أن يكون هذا أنجح مشروع لنا على الإطلاق».
وهكذا، تم تنفيذ المشروع دون إضاعة الوقت في محاولات لإقناع المدير التنفيذي، ما يعكس روح هذا المبدأ الإداري.
أصول الفكرة في فلسفة آندي جروف
رغم أن بيزوس هو من أعاد هذه الفكرة إلى الأضواء، إلا أن جذورها تعود إلى آندي جروف، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إنتل»، والذي كان يُعرف بأسلوبه الإداري الصارم ورؤيته الاستراتيجية.
ويقول ريتشارد إس. تيدلو، كاتب سيرة جروف: «في إنتل، كان يمكن للموظفين أن يختلفوا بشدة، لكن بمجرد اتخاذ القرار، كان الجميع يسيرون في نفس الاتجاه».
وهذا يعكس ثقافة قائمة على النقاش الصريح أولاً، ثم التنفيذ الفوري بمجرد التوصل إلى قرار نهائي.
كيف يسهم هذا المبدأ في الإدارة الفعالة؟
يعتبر مبدأ «اختلف ثم التزم» أداة مفيدة للشركات، حيث يتيح للفرق التعبير عن وجهات نظرهم المختلفة بحرية، لكنه في الوقت نفسه يمنع استمرار الخلافات بعد اتخاذ القرار النهائي.
ويقول كريستوفر مايرز، مدير مركز القيادة المبتكرة في جامعة جونز هوبكنز: «إن هذا المبدأ يساعد الشركات على الاستفادة من وجهات النظر المختلفة دون أن تتعطل القرارات بسبب الخلافات الطويلة».
كما أوضح بيزوس في مقابلة حديثة، أن معظم الشركات تعمل وفق هيكل هرمي، ما يعني أن القرار النهائي غالباً ما يكون بيد الرئيس التنفيذي فقط. لكن ذلك لا يعني أن القائد يجب أن يكون دائماً على صواب. ولهذا، يرى بيزوس أن الالتزام بقرار الفريق أفضل من الدخول في تسويات قد لا تكون مثمرة.
تحول المبدأ إلى نهج إداري أكثر صرامة
بعد تقاعد بيزوس، تبنى الرئيس التنفيذي الجديد لأمازون، آندي جاسي، هذا النهج، وأصبح جزءاً من مبادئ القيادة في الشركة. لكن بمرور الوقت، تحول المبدأ إلى نهج أكثر صرامة وهو «اختلف ثم التزم أو غادر».
وفي عام 2023، خلال اجتماع داخلي حول سياسة العودة إلى المكتب، قال جاسي للموظفين: «إذا لم يكن القرار يناسبك، فمن المحتمل أن هذه الوظيفة ليست لك.»
وبالمثل، استخدم بوزورث النهج نفسه في شركة «ميتا»، حيث قال في رد داخلي: «إما أن تلتزموا بقرارات الإدارة أو تغادروا».
مخاطر استخدام هذا المبدأ بشكل خاطئ
وفي حين أن المبدأ يمكن أن يكون فعالاً في اتخاذ القرارات بسرعة، إلا أن تطبيقه بطريقة صارمة قد يؤدي إلى إسكات الأصوات المعارضة داخل الشركات. إذا تم استخدامه كأداة لإجبار الموظفين على قبول القرارات دون مناقشة حقيقية، فقد يتحول إلى نهج استبدادي يضعف روح الابتكار.
ويرى بعض النقاد أن التحول نحو «اختلف ثم التزم أو غادر» قد يكون ضاراً بالثقافة التنظيمية، لأنه قد يؤدي إلى بيئة لا تشجع على التفكير النقدي أو التعبير عن وجهات النظر المختلفة.
ويُعد مبدأ «اختلف ثم التزم» من أكثر الفلسفات الإدارية تأثيراً، حيث يسمح للنقاشات أن تتم بحرية، لكنه يشدد على أهمية الالتزام بالقرارات بعد اتخاذها. ومع ذلك، فإن تطبيقه بشكل صارم قد يؤدي إلى ثقافة إدارية قمعية بدلاً من بيئة عمل قائمة على التعاون.
لذا، فإن المفتاح في استخدام هذا المبدأ هو التوازن بين السماح بالنقاشات المفتوحة وبين الالتزام بالقرارات النهائية، دون فرض الرأي بطريقة استبدادية.
0 تعليق