حدود الحوافز والغرامات

مصدرك 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. لويس حبيقة*

يتحرك الإنسان عندما تكون هنالك حوافز مادية يحصل عليها مقابل التحرك، لكن هذه الحوافز لن تكفي إذا أهملت العوامل النفسية التي ربما تكون أهم من المادية. لذا يقول بعض الاقتصاديين ومنهم «سامويل بولز» إن هنالك دوراً للفضيلة وللأعمال الفاضلة في العلوم كما في الممارسة الاقتصادية الدولية. كي تستطيع أي حكومة في العالم النجاح في دورها، عليها أن تدرس كيفية تجاوب المواطن مع قراراتها. هذا التجاوب يغطي كل الميادين وليس الاقتصادية فقط، أي المواضيع القانونية والإدارية والاجتماعية وغيرها. هنالك أمثلة عدة تسعى لتفسير عدم تجاوب الإنسان مع الحوافز المادية، مما يلفت النظر إلى حدودها.
حكم الدولة معقد لأن الإنسان معقد، وبالتالي تحصل مشاكل عديدة بسبب هذه العلاقة الدقيقة المتغيرة والمتجددة. ارتكزت النظريات الاقتصادية الأولى على أهمية المصلحة الشخصية للوصول إلى هدف جيد للمجتمع. لا ننسى ما كتبه مؤسس العلوم الاقتصادية «أدام سميث» في كتابه «ثروات الأمم» عن أن قيام كل شخص بتحقيق مصالحه الاقتصادية ضمن كفاءته ودوره سيؤدي إلى تحقيق الازدهار لكل المجتمع ولكل الدولة. نعلم جميعاً أن الأسواق التي تنتج عن قيام الجميع بتحقيق مصالحهم الشخصية لا تكون دائماً في مصلحة الخير العام.
انتقد العديدون نظرية سميث التي لا تترك أي دور خيري أو نفسي أو ثقافي للإنسان ضمن دوره الكامل في المجتمع. للإنسان دور مادي يقوم به دون تردد مركزاً على إنتاج الأفضل والأثمن. لم يهمل سميث دور الأخلاق في تأدية الواجب، مما يضع حدوداً لعمل الإنسان الذي يبقي الإنتاج فقط محصوراً في الكفاءة الشخصية. كل إنسان يركز عمله على ما يعرف، وبالتالي تتفاعل كل هذه الخيرات لتنتج اقتصاداً زاهراً يرضي الجميع. من أكثر المنتقدين لنظريات سميث التي تبقى حية، وإن بأسماء مختلفة، هم علماء الاجتماع الذين يركزون على دور الإنسان النفسي الذي ربما يفوق في أهميته الدور الاقتصادي الإنتاجي.
في بعض المدن وهذه حقيقة، تأخر الأهل دورياً في استلام أولادهم من المدرسة في التوقيت المتفق عليه، مما ازعج إدارة المدرسة والأساتذة والموظفين. بعض المدارس قرر وضع غرامة على الأهل المتأخرين تبعاً لمدة التأخير. ماذا كانت النتيجة؟ ازداد تأخر الأهل عن استلام أولادهم ودفعوا كل الغرامات المستحقة. كيف يمكن تفسير ذلك؟ في عالم سميث، هذا سيئ وهنالك تحد للقرارات والقوانين، لكن الحقيقة غير ذلك. وضع غرامة على التأخير أعطى انطباعاً للأهل بأن التأخير مقبول ومسموح به شرط أن يسدد الأهل الغرامات، وهذا ما فعلوا. فالحوافز المادية لا تكفي وحدها لتغيير تصرفات الإنسان الذي يمكن أن يتعاطى معها بطرق مختلفة. في مستشفيات النرويج وضعت غرامات مالية على كل من يبقى في غرفته بعد المدة المقررة سابقاً كي تستطيع المستشفيات خدمة عدد أكبر من المرضى. ماذا كانت النتيجة؟ تأخر عدد أكبر من المرضى في ترك غرفهم، وبالتالي دفعوا الغرامات الموضوعة. التأخير مقابل الغرامات أصبح مقبولاً.
* كاتب لبناني

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق