استشهدتُ في ورقة بحثية ألقيتها بمعرض الكتاب الدولي بالمغرب عام 2015م بعنوان «العالم العربي والتحديات الثقافية»، بمنطقية دعوة المفكر السعودي إبراهيم البليهي إلى تأسيس قواعد منهجية لعلم الجهل في مفاصل مشهدنا الثقافي بوجه عام، بغية تحليل ودراسة بنية التخلف في محيطنا، ولا سيما أننا - والكلام له - نعيش حالة جهل مركبة تقوم على جهل الإنسان بجهله، ثم اغتباطه بهذا الجهل، لاعتقاده بأن ما يؤمن به هو الحق والصواب المطلق والتام.
في هذا السياق فقد تعارف أهل العلم على أن الجهل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولها / الجهل البسيط، وهو فهم مسألة ما دون إحاطة كاملة؛ وثانيها / الجهل الكامل وهو انعدام العلم بالمسألة؛ وثالثها / الجهل المركب وهو فهم الأمر خلاف ما هو عليه.
ومؤسف أن يكون القسم الأخير هو ما نعيشه بشكل مكرر في كثير من مفاصل حياتنا المجتمعية بوجه عام، على أن الأكثر سوءا أن نعيشه في واقع مشهدنا الثقافي والذي يُفترض فيه أن يكون أكثر وعيا بالمفردة ودلالاتها.
ذلك ما وقفت عليه في حديث الكاتب أسامة المسلم عبر قناة العربية مع الإعلامي خالد مدخلي، حيث وفي جوابه على انتقادات ما أسماهم المدخلي بحراس الأدب، توجه المسلم بحديث غير لائق أدبيا عن أساتذة كبار أثروا المشهد بوعيهم وعلمهم وأطروحاتهم، ويكفي أن أشير إلى لفظة واحدة جرى ترديدها على لسانه وصفا لهم بأنهم (غبار، غبار)، إلى غير ذلك من الألفاظ والأحكام السلبية بحقهم، وكل ذلك لأنهم قالوا رأيهم فيما يكتبه.
حقا ما أسوأ ما قال! وكم أخشى أن يكون بلفظه وسلوكه نموذجا للجهل المركب كما وصفه المفكر البليهي، وكما اعتمده أهل العلم، فهو كما يبدو مغتبطا بجهل برأيه الذي يعتقده صوابا مطلقا، ناهيك عن فهم ما يطرحه الآخرون من رأي خلاف ما هو عليه؛ ذلك أن الآخرين انتقدوا سمتا أدبيا كتب فيه، وسلوكا جماهيريا تميز بالفوضوية استأنس له المسلم في حفلات توقيعه لكتبه، وهو سلوك صاخب شبيه بسلوك جماهير مشاهير وسائط التواصل المجتمعي، ولا يمت إلى المعرفة بصلة، فالكتابة الإبداعية تنتج قارئا واعيا، وتزيده رزانة، ولا تجعل منه صورة مهزوزة، كما نشاهده في معجبي الكاتب المسلم.
أشير إلى أن من هاجمهم المسلم بازدراء وغرور هم رموز ثقافية عالية اتفقنا أو اختلفنا معهم، ومن أولئك الأستاذ الدكتور سعد البازعي وغيره ممن قال رأيه في روايات المسلم ومعجبيه، ولا يصح أن يتلفظ هو وغيره عليهم بمثل ما قال، والتأدب وإدراك الفضل لمن سبقنا بالعلم والمعرفة مقدمان على كل شيء، وكان بإمكانه أن يدافع عن منتجه بفطنة وحكمة دون تجريح أو إساءة، وأن يدافع عن فوضوية معجبيه بما يريد دون إقلال بالآخر، أو يجعل من هذه اللقاءات فرصة لدعوتهم إلى الرقي بسلوكهم الانفعالي، لكونهم معجبي كاتب أديب وليس أحد مشاهير التواصل ممن اشتهروا بأنهم فارغو المعنى والمضمون.
0 تعليق