موت الضمير في يوم الضمير!

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بينما كانت البشرية تُستدعى بالأمس، الخامس من أبريل، لإحياء اليوم الدولي للضمير الذي تبنّته الأمم المتحدة عام 2019 لنشر ثقافة السلام والتسامح، كانت إسرائيل تنتهك الضمير الإنساني، فكانت غزة تُحترق، ففي اليوم نفسه الذي يفترض أن يتأمل فيه العالم معنى الضمير الإنساني، كانت غزة تلفظ أنفاسها تحت وطأة قصف متواصل لا يميز بين بيت وخيمة، بين طفل وشيخ، بين من لجأ إلى المستشفى طلباً للنجاة، ومن لم يجد إلا ركام منزله مأوى أخيراً، والمفارقة القاتلة أن العالم احتفل بمبادئ الضمير في يومٍ يُفترض أن يجسّد فيه أسمى القيم الإنسانية، فيما كانت الطائرات الإسرائيلية تُمطر حي الشجاعية بالقذائف، وتحيل رفح وخان يونس إلى أطلالٍ يختلط فيها الدم بالحجارة، في واحدة من أبشع موجات التصعيد منذ اندلاع الحرب، وكأن الضمير الإنساني خُصص لخطابات المؤتمرات دون أن يكون له مكان في غرف القرار.

ففي اللحظة التي يُفترض أن تعلو فيها القيم الإنسانية، سقطت الأقنعة، فبالأمس وبينما كانت بيانات الأمم المتحدة تتحدث عن «أهمية الضمير كركيزة للسلم العالمي»، كان سكان غزة يُدفنون تحت الركام، بلا ماء، بلا دواء، بلا ضوء، وبلا ضمير عالمي يُصغي لأنينهم.

المفارقة هنا ليست لغوية فقط، بل أخلاقية أيضاً، فالضمير الذي يُحتفى به في القاعات المكيّفة، ويُكتب عنه في تقارير ملونة بعبارات التسامح، مات تحت ركام مدرسة «دار الأرقم» شمال غزة، وقُصف مع خيام النازحين في خان يونس، وصمت أمام صور الأطفال الممزقين في الشجاعية.

لقد تزامن هذا الموت الجماعي مع تكشف ملامح خطة إسرائيلية موضوعة مسبقاً، هدفها ليس فقط القضاء على حركة حماس، بل إعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا في قطاع غزة، من خلال تقسيمه إلى جيوب معزولة، وإقامة مناطق أمنية، ودفع السكان إلى النزوح القسري، وهي خطوات تتجاوز الحسابات العسكرية لتدخل في عمق المشروع السياسي للتيار اليميني الإسرائيلي، المدعوم من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان الجديد إيال زامير، الذي يصفه المقربون بأنه رجل الحسم والهجوم.

ورغم الأصوات الدولية التي تنادي بالتهدئة، لم تعد إسرائيل تتعامل مع تلك الجهود إلا كفواصل مؤقتة، قد تُمنح لمفاوضات الرهائن، لكنها لا تُغير من مسار الحرب شيئاً، فالمخطط أشمل من هدنة، وأعمق من رد فعل، فنيتهم واضحة للسيطرة على الأرض، وتفكيك وحرق غزة من الداخل، وربما التمهيد لمرحلة ما بعد الحرب، حيث يُطرح خيار التهجير وكأنه حل استراتيجي بديل، وربما سيجعلونه هو الحل الوحيد.

والمقلق أن هذه السياسات تُنفّذ بينما العالم يكتفي ببيانات القلق، أو في أحسن الأحوال، يُوازن بين الضحية والجلاد، وكأن الفلسطينيين بلا سياق، ودماء أهل غزة أقل وزناً في ميزان العدالة الدولية، الأمر الذي يحيلنا من جديد إلى سؤال الضمير مجرداً من القيم الأخلاقية، لنطرحه كمعيار لقياس إنسانية العالم، ومدى صدقه في احترام القوانين الدولية التي يُتغنى بها صباحاً، ثم يُتغافل عنها مساءً.

وفي السادس من أبريل، حين يقرأ القارئ هذه السطور، يكون قد مضى يوم واحد فقط على احتفالات الضمير، ولكن مرت على غزة أيام طويلة من التجاهل والنزيف، ومازال السؤال قائماً: هل يحتاج العالم إلى يوم للضمير، أم إلى ضمير حيّ يستيقظ كل يوم؟ بعيداً عن الضمير المبني على ردود الأفعال كلما حدثت فاجعة.

ضمير يصحو كلما سقط طفل، وتحركه مشاهد الخراب لا الحسابات، ضمير يملك الشجاعة على قول «كفى» حين تعجز الألسنة، ويتقدم بخطوة نحو الإنسان، لا نحو مراكز النفوذ والامتياز؟

في زمن السكوت عن المجازر، ليس المطلوب إعلاناً جديداً، وخطابات رنانة إنما صحوة للقلوب وللضمائر.. لعلها تأتي قبل أن يبتلع الركام آخر ما تبقى من صدى الضمير الذي يتردد بين ركام مباني غزة وشهدائها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق