وأقبل شهر التغيير

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بدر علي قمبر


ذكر المولى عز وجل في القرآن الكريم أن شهر رمضان (أياماً معدودات)، فهي مدة قليلة، وأيام قصيرة كأيام عمر الإنسان، ستنقضي سريعاً وتنتهي. وهنا يستشعر المسلم قلة أيامه في الدنيا مهما بلغ من العمر، وهي قلة مرتبطة بسرعة الزمان وانقضاء الأوقات.أقبل الشهر العزيز الذي ودعناه بالأمس.. نعم، بالأمس وليس منذ عام، ففكرنا مازال يستذكر لحظات الخير والعطاء والطاعة في كل يوم منه. واليوم، منحنا الله عز وجل عمراً آخر وأنفاساً جديدة لنستقبل شهر الخير، وندعوه أن يمد في أعمارنا لنبلغ تمامه وكماله، وندرك كل لياليه العطرة التي تعد من أجمل ليالي العمر على الإطلاق.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشّر أصحابه بقدوم رمضان، ويقول: «جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم». وكان الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، يجعلون حياتهم كلها رمضان، استشعاراً وعبادة وطاعة، فكانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان. وقال يحيى بن أبي كثير: «كان من دعائهم: اللهم سلّمني إلى رمضان، وسلّم لي رمضان، وتسلّمه مني متقبلاً». هذه هي البشارة التي تمثل أصل التهنئة بالشهر الكريم.

فعندما نبارك لبعضنا بقدوم شهر الخير «مبارك عليكم الشهر»، فإنما نبارك لأنفسنا شهراً مليئاً بفواتح الخير، تُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل الشياطين، وتأتي ليلة القدر، التي يعدل قيامها (83 عاماً). نبارك بشرف الزمان، في أيام من أنفس وأجمل أيام العمر، ونبارك لغفران الذنوب، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وقامه، غُفر له ما تقدم من ذنبه».

إنه شهر تطهير النفوس والقلوب، وتصحيح النيات، والصدق في التوجه إلى الله عز وجل، مع أنسام الشهر الفضيل، بالعزم على الطاعة، والتوبة من السيئات والتقصير، والعزم على عدم العودة إلى الفتور والكسل! إنه ميدان واسع للخير والتسابق في الطاعات، فهنيئاً لمن جَدّ واجتهد، وتقدم في ركب الطائعين العابدين المنيبين المخلصين، امتثالاً لقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين).

إنها مشاعر تتكرر كل عام، لكنها تتجدد بروح جديدة، وبعمر جديد، وبفهم أعمق لغاية وجودنا على هذه الأرض، وبإيمان متجدد، ومحبة لما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين. مشاعر لقاء الصالحين في بيوت الرحمن، والامتنان لوجود العائلة التي تجتمع على الخير والعبادة والإفطار. مشاعر تحسّ بها وكأنك تعيشها لأول مرة، لأنك تدرك أن الأعمار تتجدّد، والإيمان يرتوي بالخير، وهذه فرصة أخرى للعودة والإنابة إلى الله تعالى. فخسارة عظيمة لمن بقي يراوح مكانه، ودخل الشهر وخرج منه بلا ارتقاء روحي ولا فائدة تُرجى، صام وتلذذ بالطعام وسهر الليل، لكنه لم يذكر الله حق الذكر!

إنه شهر الخير، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فقد كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان جبريل يأتيه في كل ليلة يُدارسه القرآن. إنه استشعارٌ للخير العميم في الشهر الفضيل، استشعارٌ لبركة الصدقة والبذل والعطاء، ولو بالقليل، في كل يوم من رمضان، وفي كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً كان له مثل أجره». إنها دعوة إلى اغتنام كل لحظة في هذه الأيام النفيسة، في البذل والعطاء، ومساعدة الآخرين، والتأسّي بخير البشرية صلى الله عليه وسلم، فنحرص على تلاوة القرآن، والجود بالخير، والتواصل مع الأهل والأحباب، والاجتماع بالصالحين خمس مرات يومياً في المسجد للصلاة. إنه شهر لا مجال فيه للتسويف وتأجيل الطاعات، فالخير كل الخير أن نكون مع الله تعالى، ونسأله الإعانة على الطاعة والقبول.

دعوة صادقة لنا جميعاً أن نستثمر شهر الخير في كل عمل صالح، ونؤدي العبادات وكأننا نؤديها للمرة الأولى، ونقبل على الله تعالى بقلوبنا لا بأجسادنا فقط، ونجعل من مدرسة رمضان فرصة لإعادة ترتيب أوراق الحياة، ورد النفس المؤمنة إلى مكانها الصحيح، حيث القرب من الله عز وجل. إنها فرصة لنملأ أوقاتنا بالأجور، ونصحح المقاصد، ونقوي العزائم، ونكثر من النوافل، وقراءة القرآن، والذكر، والاستغفار، والدعاء، والمحافظة على الصلاة، وصلاة القيام، وصلة الأرحام، وإحياء سنة الاعتكاف. دعوة لنكون من «أهل الله» في أجمل الشهور، ونعيش أيامه ولياليه في طاعة وعبادة صادقة.

ومضة أملمبارك عليكم الشهر الفضيل، وأعاننا الله وإياكم على صيامه وقيامه وطاعته، وبارك في أعمارنا لنبلغ إتمامه على الوجه الذي يرضاه عنا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق