نظام ولاية الفقيه، بما يمثله من سلطة مطلقة وهيمنة شاملة، وكونه البنية السياسية والدينية المسيطرة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يترك مجالاً لقرار مستقل أو لمؤسسات مدنية حقيقية. فكل تحرك داخلي أو خارجي يصدر عن هذا النظام يخضع لحسابات أيديولوجية وسياسية تتجاوز منطق الدولة إلى منطق الهيمنة. لا عجب إذاً أن يتحول الحرس الثوري إلى أداة قمع داخلي وذراع تدخل خارجي، تنفذ ما تمليه مصالح القيادة العليا دون اعتبار للقانون الدولي أو الأعراف الدبلوماسية.في هذا الإطار، أعلن الحرس الثوري عن احتجاز ناقلتي نفط أجنبيتين في المياه الوسطى للخليج بتهمة تهريب الوقود، في خطوة تنطوي على رسالة عدائية تتجاوز حدود القانون. الناقلتان، «ستار 1» و«وينتغ»، كانتا تحملان على متنهما 25 فرداً، وتم تنفيذ العملية بناءً على ما وصفته طهران بـ«رصد استخباراتي»، دون أن تكشف عن جنسية السفينتين أو طواقمها، ما يعكس غموضاً متعمّداً يُثير الشكوك حول دوافع الاحتجاز.ولا يمكن فهم هذا السلوك إلا في ضوء سجل الحرس الثوري الطويل في زعزعة الاستقرار الإقليمي. ففي أبريل 2019، تم الإعلان عن إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية. وجاء في بيان رسمي أن الحرس الثوري يشارك بفاعلية في تمويل ودعم الإرهاب.هذا التصنيف لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل كان تعبيراً واضحاً عن التهديد الذي يمثله هذا الكيان للمنطقة والعالم.التهديد المتبادل بين طهران والغرب لم يتوقف منذ ذلك الحين، إذ رفضت إيران بشكل قاطع التفاوض حول برنامجها النووي، متمسكة بسياسة العناد والمراوغة، ومستمرة في تطوير قدراتها النووية التي تمثل الخطر الأكبر على أمن دول الجوار. يسعى نظام ولاية الفقيه إلى امتلاك السلاح النووي كوسيلة لبسط النفوذ الإقليمي وإدامة مشروع الثورة الذي لم يجلب للمنطقة سوى الفوضى والتدخلات والميليشيات المسلحة.احتجاز السفن لا يأتي بمعزل عن هذه الصورة الكبرى، بل هو امتداد لمنهجية قائمة على السلوك التهديدي المحسوب والتحرك التصعيدي المتعمّد، الذي تسعى من خلاله طهران إلى فرض نفسها كقوة فوق القانون. الخليج ليس مسرحاً للتجريب السياسي، بل شريان العالم الحيوي. وممارسات الحرس الثوري هي أعمال عدائية لا يمكن التهاون معها.احتجاز ناقلات النفط في مياه دولية يُعدّ انتهاكاً صارخاً للسيادة البحرية وتهديداً للاستقرار الإقليمي والدولي. ما تقوم به طهران اليوم ليس سوى تصعيد ممنهج يراد به إخضاع المنطقة لرغبات نظام ولاية الفقيه، في محاولة يائسة لكسر العزلة والعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة. لكن هذه القوة زائفة، وهي في حقيقتها علامة على نظام مأزوم، لم يعد يملك ما يقدمه سوى الفوضى والتصعيد.العالم لا يمكنه أن يقف متفرجاً. لقد أصبح واضحاً أن ما يجري ليس مجرد حملة لمكافحة التهريب، بل عمل عدائي محسوب، يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية التحرك قبل أن يُشعل نظام خامنئي حرباً جديدة في الخليج.
احتجاز السفن جريمة دولية.. والحرس الثوري في قلب التصعيد

احتجاز السفن جريمة دولية.. والحرس الثوري في قلب التصعيد
0 تعليق