في أحد أيام منتصف القرن الماضي، نشر عبدالله عبدالوهاب نعمان، في صحيفة الفضول التي أسسها في اليمن سنة 1948 خبراً بهذا العنوان: «انقلاب عسكري في اليمن» وجعل العنوان كبيراً يتصدر الصفحة الأولى، فتلقف الناس نسخ ذلك العدد ولم يبق منها شيء، أما محتوى الخبر فكان: (انقلاب عسكري من على ظهر حماره بسبب وعورة الطريق في إحدى قرى جبل حبشي بمحافظة تعز)، بعدها علم القراء أن صحيفة الفضول هي من الصحف الساخرة.كانت أياماً جميلة، سبقت عصر الإنترنت، إذ كان الناس يقرؤون ويبحثون عن التفاصيل، كما هم اليوم يتأثرون كثيراً بالعناوين، مع فارق أنهم اليوم يكتفون بها، ويعيدون نشرها بصيغة أخبار ويدافعون عنها، فعلى سبيل المثال تنشر مجلة علمية خبراً عنوانه: «التلاعب بالجينوم البشري» ليقرأ العنوان بعد ذلك الأخ أبو سالم، وينطلق به إلى مجموعة «كل يوم معلومة جديدة» على فيسبوك، ويقدم تعليقه ورأيه عن الموضوع باعتباره أحد خبراء الجينات البشرية، معلقاً أن ما يحدث هو مؤامرة كونية تقودها منظمات عالمية للتلاعب بطبيعة البشر وإنتاج أنواع جديدة منهم، ولاشك أن هذه المؤامرة يشترك فيها سياسيون دوليون، وبطبيعة الحال لا يكلف أحد نفسه عناء قراءة الخبر الأصلي، واكتفوا بتعليق أبي سالم على الخبر الذي لم يقرأ منه سوى العنوان، ومحتوى المقال الأصلي يناقش تقنية جديدة قد تساعد في علاج الأمراض الوراثية.نعيش اليوم في زمن أهم ما في المنشور هو العنوان، الذي يجب أن يكون جذاباً ومشوقاً ليشار إليه، وكأنه يقول للقارئ: «اقرأني واترك المحتوى» فهناك شريحة واسعة من البشر تحولوا إلى خبراء في الطب والسياسة والاقتصاد والتاريخ والفلك وباقي العلوم اعتماداً على عناوين المنشورات، بعد ذلك كل المطلوب عنوان عريض وحبذا لو كان مدعوماً بصورة مؤثرة لشخص يصرخ أو أفواه مفتوحة وعيون دامعة، وهي كفيلة بتحويل أي شخص إلى خبير، بعدها الأمر بسيط جدا كل ما يحتاجه ذلك الخبير إجراء مناقشات حادة بعيدة عن القواعد مع بعض المعلقين على منشوره، وسيجد له أنصاراً كثر يقدمون له الدعم بتعليقات ضد معارضيه، أما إذا كان المنشور مرئياً بصيغة فيديو فهذا له عناوين من نوع «السر الذي لن يخبرك به خبراء الأغذية» و«اخسر 11 كيلوغراماً في 12 يوماً» و«الدكتور فلان الفلاني يفجر مفاجأة» فتضطر لمشاهدة فيديو في خلفيته موسيقى تشويقية ينتهي بـ«اشترك بالقناة» دون أن تخرج بشيء مهم، السرعة التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة والتواصل الاجتماعي الجديد، ولدت قناعة عند الكثيرين مفادها أن التاريخ يمكن أن تختزله بثلاثين ثانية على تيك توك، والعلوم الطبية يمكن أن تصل إلى الناس بعنوان وضع على صورة، والفلسفة يمكن تقديمها بواسطة مغني الشوارع بمقطع سريع، وعلى هذا الأساس بدأت القراءة بالانقراض، وازدهرت أعمال نوع جديد من النقاد وهم نقاد العناوين، كعنوان «طفل يصنع المعجزات» والخبر عن أبناء أحد الفنانين الذي غنى في سن مبكرة في الروضة.ومع هذه الأجواء نكتشف أن الحقيقة تضيع، والمعلومة يكفيها سطر، كما يكفي أن نختزل الشخص بتغريدة، وأصبح الوضع قائماً على من يقرأ أقل يتفلسف أكثر، والأشياء ترى على غير حقيقتها؛ لأننا نكتفي بالعنوان.ببساطة، لا تحكم على الكتاب من عنوان، وإن لم تكن قادراً على قراءته فاقرأ الفهرس على الأقل.* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية
خبراء بدون قراءة

خبراء بدون قراءة
0 تعليق