في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، نظمت "قاعة فكر وإبداع" ندوة لمناقشة كتاب "سردية نجيب محفوظ" للناقد البارز د.محمد بدوي، الصادر ضمن سلسلة "اقرأ".
شارك في النقاش الناقدان د.سمير منجي ود. رضا عطية، فيما أدار الندوة الكاتب والشاعر عيد عبد الحليم.
جاءت الندوة في سياق الاحتفاء المستمر بتجربة الأديب الكبير نجيب محفوظ، حيث سلطت الضوء على رؤية محمد بدوي لطبيعة السرد المحفوظي، وكيف تحوّل صاحب "الثلاثية" إلى رمز ثقافي تتداخل في صورته الحقائق التاريخية مع التخييل الأدبي، ليصبح جزءًا من وعي الجماعة الثقافية في مصر والعالم العربي.
في مداخلته، أشاد د. رضا عطية بمقاربة بدوي النقدية، واصفًا إياها بالحفر العميق في التكوين الثقافي والذهني لنجيب محفوظ. وقال:
"ما يميز عمل بدوي هو أنه لا يقتصر على تحليل النصوص، بل يغوص في التكوين الفكري لمحفوظ، ويبحث في العوامل الثقافية والاجتماعية التي شكلت وعيه. يتعامل مع النقد بوصفه عملية تركيبية، توظف عدة مناهج في آنٍ واحد، بعيدًا عن الجمود المدرسي الذي يكتفي بمنهج نقدي واحد".
وأشار عطية إلى أن بدوي استثمر أدوات النقد الثقافي والتاريخانية الجديدة في دراسة محفوظ، دون أن يجعل من هذه المناهج قيودًا صارمة تحكم قراءته. وأوضح أن الكتاب يتناول كيف تشكل وعي محفوظ منذ الصدفة الأولى التي قادته إلى القراءة، إلى الصدفة التي أدت إلى تنظيم نصه الإبداعي.
وأضاف:"يربط بدوي بين تجربة محفوظ الشخصية وبين شخصياته الروائية، ويقدم قراءة سوسيو-ثقافية لمفهوم القراءة داخل عالم محفوظ. كما يتناول العلاقة بين محفوظ وفن السينما، ويحلل كيف أثرت السينما على تكوينه الأدبي، ليس فقط من حيث التقنيات السردية، بل أيضًا من حيث الإحساس بالتوتر الدرامي والإيقاع البصري في السرد".
وتحدث عطية عن محور مهم في الكتاب، بعنوان "ساردو الحكايات"، حيث يرصد بدوي تحولات محفوظ عبر شخصياته، معتبرًا أن هذه الشخصيات ليست مجرد كيانات سردية، بل "علامات ثقافية" تعكس تحولات المجتمع المصري. كما تناول كيف استخدم محفوظ في بداية حياته القصص العجائبية وأدب التسلية، قبل أن يطور أسلوبه ليصبح واحدًا من أعمدة الرواية الجادة.
سردية تحفظ ذاكرة الثقافة العربية
أما الشاعر والناقد سمير منجي، فتناول فكرة السردية نفسها، معتبرًا أنها مفتاح مهم لفهم مشروع محفوظ. وقال:"حين نصف نجيب محفوظ بأنه سردية، فإننا لا نتحدث فقط عن أعماله، بل عن موقعه في الوعي الثقافي العربي. فالسرد له بعد تاريخي وآخر خيالي، ومحفوظ جمع بينهما ليخلق نصًا متحركًا داخل الثقافة العربية".
أشار منجي إلى أن قيمة كتاب بدوي تكمن في أنه يرى محفوظ كنص مفتوح، لا يمكن اختزاله في مرحلة أو اتجاه واحد.
وأضاف:"نجيب محفوظ كان يؤمن بأن العمل الفني رسالة، وكان منشغلًا بسيطرة الأساطير على الوعي الجمعي، فسعى إلى إعادة طرحها في سياق بشري، انطلاقًا من قناعته بأننا خرجنا من عصر الأسطورة إلى عصر العلم. وهذا ما يجعل قراءته اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى".
دعوة لقراءة نجيب محفوظ برؤية شاملة
اتفق المشاركون على أن كتاب "سردية نجيب محفوظ" لا يقدم قراءة نمطية لمشروع أديب نوبل، بل يسعى إلى إعادة تأمله ضمن سياقات ثقافية واجتماعية، تجعل من محفوظ نصًا مفتوحًا على التحولات المستمرة في الثقافة العربية.
وأكدوا أن أهمية هذا الكتاب تكمن في كونه دعوة لإعادة قراءة نجيب محفوظ ككل، وليس كأجزاء متفرقة، بما يسمح بفهم أعمق لدوره في تشكيل الوعي الأدبي والثقافي في العالم العربي.
0 تعليق