loading ad...
عمان - داخل غرف العناية المركزة، حيث تلتقي الحياة بالمجهول، تُتخذ قرارات لا تشبه غيرها. لحظات تفصل بين التمسك بالأمل وقبول القدر، وبين محاولة إنقاذ الروح أو تخفيف الألم. هناك، يقف الأطباء بين العلم والإنسانية، وتقف العائلات بين الحب والخوف، بين التعلق بالحياة والتسليم بأن لكل نفس أجلا محتوما.اضافة اعلان
حين يصبح التنفس مرتبطا بأنبوب، وحين تتحول الأجهزة الطبية إلى جسر يربط بين البقاء والرحيل، يواجه الأهل سؤالا قاسيا: هل نستمر في العلاج بأي ثمن، أم نسمح للقدر أن يأخذ مجراه؟ قرار لا يحتمل التأجيل، ولا يمنح فرصة لإعادة التفكير. لكنه ليس مجرد قرار طبي، بل امتحانا عاطفيا، أخلاقيا، ودينيا، يختبر قناعاتنا وأعمق مخاوفنا.
"المعضلة الفكرية"
في أحد حلقات برنامج "سين 3"، تناول الإعلامي أحمد الشقيري موضوع القرار المصيري المتعلق باختيار إبقاء أنبوب التنفس أو الاعتماد على العلاج التلطيفي، واصفا إياه بـ "المعضلة الفكرية"، حيث لا توجد إجابة صحيحة واحدة، بل يعتمد القرار على مبادئ كل شخص وأفكاره.
خلال الحلقة، شارك مجموعة كبيرة من الأشخاص في اتخاذ هذا القرار، وانقسموا إلى نصفين تقريبا، باستثناء شخص واحد، مما يعكس مدى صعوبة الموقف وتأثيره النفسي العميق.
كان أحد الأهداف الأساسية للحلقة، كما أوضح الشقيري، هو تسليط الضوء على التوتر الكبير الذي يعيشه الأهل عند اتخاذ مثل هذا القرار، وضرورة تجنب الوقوع في حالة من الحيرة وعدم القدرة على الحسم. ومن النقاط المهمة التي طرحها الطبيب المختص المشارك في الحلقة، أن أنبوب التنفس ليس علاجا، بل مجرد وسيلة دعم مؤقتة، ولا يمكن اعتباره حلا طبيا لمعالجة المرض الأساسي الذي يعاني منه المريض.
كما شدد الشقيري خلال الحلقة على أهمية كتابة الوصية مسبقا، بحيث يحدد الشخص بنفسه، وهو في كامل وعيه، ماذا يريد أن يحدث له إذا وجد نفسه في هذا الموقف يوما ما –لا سمح الله– حتى لا يترك عائلته في مواجهة هذا القرار الصعب بمفردها. وخلصت الحلقة إلى أن هذه المرحلة لا تكون فقط معاناة للمريض، بل أيضا ألما نفسيا كبيرا لأسرته والمحيطين به، مما يجعل الاستعداد المسبق والتخطيط أمرا ضروريا لتخفيف وقع القرار حين يحين وقته.
في هذا التقرير، يتم تسليط الضوء على كواليس هذه اللحظات المصيرية، العائلات التي وجدت نفسها أمام هذا الاختيار الصعب. وكيف للإنسان أن يتخذ قراراته تحت الضغط؟ وهل التمسك بالحياة بأي وسيلة هو حق، أم أنه أحيانا مجرد تأجيل للوداع؟
أنبوب التنفس.. والقرار الصعب
عندما يصبح الأمل في الشفاء مجرد احتمال مستحيل، ويجد الأطباء أنفسهم أمام حالة ميؤوس منها، يبدأ السؤال الصعب: هل يمكن نزع الأجهزة عن المريض؟ أم الإبقاء على أنبوب التنفس، وبين رأي الدين وقرار العائلة وتشخيص الأطباء، يتحول الأمر إلى معضلة تجمع بين الإيمان والواقع.
أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية الدكتور منذر زيتون، يوضح أن الشرع لا يمانع في رفع الأجهزة الطبية بشروط واضحة. أهمها أن يكون المريض قد وصل إلى "الموت الدماغي الكامل"، حيث يتوقف الدماغ عن العمل نهائيا، ويصبح استمرار القلب في النبض مجرد وظيفة تقوم بها الأجهزة وليس دليلا على حياة حقيقية. في مثل هذه الحالات، إذا قرر الأطباء الثقات، المعروفون بأمانتهم ودينهم، أن لا أمل في الشفاء، يصبح قرار إيقاف الأجهزة خيارا مقبولا شرعا ويعود للعائلة.
التمسك بالأمل مقابل فكرة الفقدان
على الرغم من أن الشرع لا يرى بأسا في رفع الأجهزة إذا انتفت أي فرصة للعودة إلى الحياة الطبيعية، فإن للعائلة الحق في التمسك بالأمل حتى آخر لحظة. فهم من يعيشون معاناة المرض، وهم من يتحملون التكاليف المالية والنفسية، ولذلك لا يمكن إجبارهم على اتخاذ القرار قبل أن يكونوا مستعدين له. بعض العائلات تفضل إبقاء الأجهزة حتى لو كان الأطباء مجمعين على عدم جدوى الأمر، لأن التعلق بالحياة –حتى وإن كانت مدعومة بالآلات– يظل أقوى من مواجهة فكرة الفقدان.
الدكتور زيتون يبين الإبقاء على الأجهزة قد يكون هو التدخل غير الطبيعي. "عندما ينتهي عمر الإنسان، لن تمنعه الأجهزة من الموت، وإذا لم يحن أجله بعد، فلن يموت حتى لو نُزعت عنه الأجهزة"، يؤكد. الموت قدر محتوم، وإذا كان القرار الطبي واضحا بعدم وجود أمل، فإن نزع الأجهزة لا يعني قتل المريض، بل هو تسليم بأن أجله قد حان.
الضغط النفسي وتأثيره على اتخاذ القرار
عندما يكون الإنسان تحت ضغط نفسي شديد، تتغير طريقة تفكيره واتخاذه للقرارات، فتدخل العاطفة في مواجهة مباشرة مع العقل. في المواقف الصعبة، مثل اتخاذ قرار وقف العلاج عن مريض بحالة حرجة، يصبح التوتر والقلق عاملا أساسيا في تحديد كيفية التصرف.
استشاري علم النفس التربوي سهيل شواقفة، يوضح أن الضغط النفسي يؤثر مباشرة على قدرة الإنسان على التفكير السليم. عند التعرض لضغط شديد، يفرز الجسم هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، والتي تتجه إلى العضلات بدافع الدفاع، ما يؤدي إلى انخفاض نسبة الأوكسجين في الدماغ. هذا النقص في الأوكسجين يؤثر على القدرة على التفكير العقلاني، مما يجعل الإنسان في حالة من التوتر والارتباك، وغير قادر على اتخاذ قرارات سليمة.
بين العاطفة والمنطق.. من يسيطر؟
عندما يكون الشخص تحت تأثير الضغط النفسي، تصبح العاطفة هي المسيطرة، لأن العقل يكون في حالة ضعف بسبب الانفعال. بحسب شواقفة، والقرارات المتخذة في هذه الحالات غالبا ما تكون سريعة وغير مدروسة، حيث تقوم العاطفة بتضخيم بعض الجوانب وتقليل شأن جوانب أخرى، مما يؤثر على القدرة على الحكم الصحيح.
يؤكد شواقفة أن أسلوب التعامل مع هذه المواقف يعتمد بشكل كبير على تجارب الشخص السابقة. فكلما كان لديه خبرات في التعامل مع الأزمات، زادت قدرته على ضبط انفعالاته واتخاذ قرارات أكثر توازنا.
الشعور بالذنب.. كيف
تتعامل معه العائلات؟
يقول شواقفة، بعد اتخاذ قرار مصيري مثل وقف العلاج، قد يشعر البعض بالذنب، خاصة إذا كانوا يعتقدون أنهم اتخذوا القرار الخاطئ. إن الشعور بالذنب يكون أقوى لدى الأشخاص الذين يركزون على الجوانب السلبية فقط، ولا ينظرون إلى الصورة الكاملة.
الحل هنا، هو أن يكون الإنسان منطقيا في تقييم القرار، ويدرك أنه اتخذ أفضل قرار ممكن بناء على المعلومات المتاحة في ذلك الوقت. فالقرار الذي بدا صحيحا في سياق معين قد يبدو مختلفا لاحقا عند توفر معطيات جديدة، ولكن لا يعني ذلك أنه كان خاطئا وقت اتخاذه.
الشعور بالحزن بعد اتخاذ القرار أمر طبيعي، وهو جزء من عملية تقبل الفقدان. ويجب السماح للأشخاص بالتعبير عن مشاعرهم، سواء من خلال الحديث مع شخص مقرب، أو الكتابة، أو حتى الرسم. الإنكار أو كبت المشاعر قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة النفسية لاحقا.
قرار وقف العلاج.. أخلاقيات وثقافة مجتمع
مسألة اتخاذ قرار بوقف العلاج أو الاستمرار فيه ليست فقط قضية طبية، بل أخلاقية ودينية أيضا، وتختلف طريقة التعامل معها من مجتمع إلى آخر. في بعض الدول الغربية، يُعتبر "الموت الرحيم" خيارا قانونيا، لكن في المجتمعات العربية والإسلامية، يُنظر إليه على أنه مرفوض أخلاقيا ودينيا.
أما بالنسبة لمشاعر العائلات بعد اتخاذ القرار، فإن ثقافة المجتمع تلعب دورا كبيرا. في المجتمعات العربية، يبقى الشعور بالذنب موجودا حتى لو كان القرار هو التخفيف من معاناة المريض، بينما في المجتمعات الغربية، يُنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة.
المنطق مقابل العاطفة.. من ينتصر؟
يؤكد شواقفة أنه في ظل الضغط النفسي، يصبح من الصعب على الإنسان التفكير بعقلانية. لهذا السبب، يُنصح بعدم اتخاذ قرارات مصيرية في حالات الانفعال الشديد، فكما أن القاضي لا يحكم وهو غاضب، والشخص الغاضب لا يقع طلاقه لأنه ليس في وعيه الكامل، فإن القرارات المصيرية يجب أن تُتخذ بهدوء وبعد تفكير متزن.
ورفع أجهزة التنفس عن مريض يحتضر ليس مجرد إجراء طبي، بل لحظة فاصلة بين التمسك بحب الحياة والخضوع لحقيقتها. هو القرار الذي يبقى محفورا في ذاكرة العائلة، تتردد أصداؤه في كل ذكرى، في كل حلم، في كل نظرة إلى سرير فارغ كان يوما يضم من نحب.
المعضلة لم تكن يوما في الموت ذاته، بل في قدرتنا على تقبله. وفي النهاية، لا أحد يقرر متى تنتهي حياة الآخر، لكننا جميعا نُختبر في كيفية توديع من نحب، وفي قدرتنا على الموازنة بين الرحمة والخوف، بين الأمل والاستسلام، بين القلب والعقل.
حين يصبح التنفس مرتبطا بأنبوب، وحين تتحول الأجهزة الطبية إلى جسر يربط بين البقاء والرحيل، يواجه الأهل سؤالا قاسيا: هل نستمر في العلاج بأي ثمن، أم نسمح للقدر أن يأخذ مجراه؟ قرار لا يحتمل التأجيل، ولا يمنح فرصة لإعادة التفكير. لكنه ليس مجرد قرار طبي، بل امتحانا عاطفيا، أخلاقيا، ودينيا، يختبر قناعاتنا وأعمق مخاوفنا.
"المعضلة الفكرية"
في أحد حلقات برنامج "سين 3"، تناول الإعلامي أحمد الشقيري موضوع القرار المصيري المتعلق باختيار إبقاء أنبوب التنفس أو الاعتماد على العلاج التلطيفي، واصفا إياه بـ "المعضلة الفكرية"، حيث لا توجد إجابة صحيحة واحدة، بل يعتمد القرار على مبادئ كل شخص وأفكاره.
خلال الحلقة، شارك مجموعة كبيرة من الأشخاص في اتخاذ هذا القرار، وانقسموا إلى نصفين تقريبا، باستثناء شخص واحد، مما يعكس مدى صعوبة الموقف وتأثيره النفسي العميق.
كان أحد الأهداف الأساسية للحلقة، كما أوضح الشقيري، هو تسليط الضوء على التوتر الكبير الذي يعيشه الأهل عند اتخاذ مثل هذا القرار، وضرورة تجنب الوقوع في حالة من الحيرة وعدم القدرة على الحسم. ومن النقاط المهمة التي طرحها الطبيب المختص المشارك في الحلقة، أن أنبوب التنفس ليس علاجا، بل مجرد وسيلة دعم مؤقتة، ولا يمكن اعتباره حلا طبيا لمعالجة المرض الأساسي الذي يعاني منه المريض.
كما شدد الشقيري خلال الحلقة على أهمية كتابة الوصية مسبقا، بحيث يحدد الشخص بنفسه، وهو في كامل وعيه، ماذا يريد أن يحدث له إذا وجد نفسه في هذا الموقف يوما ما –لا سمح الله– حتى لا يترك عائلته في مواجهة هذا القرار الصعب بمفردها. وخلصت الحلقة إلى أن هذه المرحلة لا تكون فقط معاناة للمريض، بل أيضا ألما نفسيا كبيرا لأسرته والمحيطين به، مما يجعل الاستعداد المسبق والتخطيط أمرا ضروريا لتخفيف وقع القرار حين يحين وقته.
في هذا التقرير، يتم تسليط الضوء على كواليس هذه اللحظات المصيرية، العائلات التي وجدت نفسها أمام هذا الاختيار الصعب. وكيف للإنسان أن يتخذ قراراته تحت الضغط؟ وهل التمسك بالحياة بأي وسيلة هو حق، أم أنه أحيانا مجرد تأجيل للوداع؟
أنبوب التنفس.. والقرار الصعب
عندما يصبح الأمل في الشفاء مجرد احتمال مستحيل، ويجد الأطباء أنفسهم أمام حالة ميؤوس منها، يبدأ السؤال الصعب: هل يمكن نزع الأجهزة عن المريض؟ أم الإبقاء على أنبوب التنفس، وبين رأي الدين وقرار العائلة وتشخيص الأطباء، يتحول الأمر إلى معضلة تجمع بين الإيمان والواقع.
أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية الدكتور منذر زيتون، يوضح أن الشرع لا يمانع في رفع الأجهزة الطبية بشروط واضحة. أهمها أن يكون المريض قد وصل إلى "الموت الدماغي الكامل"، حيث يتوقف الدماغ عن العمل نهائيا، ويصبح استمرار القلب في النبض مجرد وظيفة تقوم بها الأجهزة وليس دليلا على حياة حقيقية. في مثل هذه الحالات، إذا قرر الأطباء الثقات، المعروفون بأمانتهم ودينهم، أن لا أمل في الشفاء، يصبح قرار إيقاف الأجهزة خيارا مقبولا شرعا ويعود للعائلة.
التمسك بالأمل مقابل فكرة الفقدان
على الرغم من أن الشرع لا يرى بأسا في رفع الأجهزة إذا انتفت أي فرصة للعودة إلى الحياة الطبيعية، فإن للعائلة الحق في التمسك بالأمل حتى آخر لحظة. فهم من يعيشون معاناة المرض، وهم من يتحملون التكاليف المالية والنفسية، ولذلك لا يمكن إجبارهم على اتخاذ القرار قبل أن يكونوا مستعدين له. بعض العائلات تفضل إبقاء الأجهزة حتى لو كان الأطباء مجمعين على عدم جدوى الأمر، لأن التعلق بالحياة –حتى وإن كانت مدعومة بالآلات– يظل أقوى من مواجهة فكرة الفقدان.
الدكتور زيتون يبين الإبقاء على الأجهزة قد يكون هو التدخل غير الطبيعي. "عندما ينتهي عمر الإنسان، لن تمنعه الأجهزة من الموت، وإذا لم يحن أجله بعد، فلن يموت حتى لو نُزعت عنه الأجهزة"، يؤكد. الموت قدر محتوم، وإذا كان القرار الطبي واضحا بعدم وجود أمل، فإن نزع الأجهزة لا يعني قتل المريض، بل هو تسليم بأن أجله قد حان.
الضغط النفسي وتأثيره على اتخاذ القرار
عندما يكون الإنسان تحت ضغط نفسي شديد، تتغير طريقة تفكيره واتخاذه للقرارات، فتدخل العاطفة في مواجهة مباشرة مع العقل. في المواقف الصعبة، مثل اتخاذ قرار وقف العلاج عن مريض بحالة حرجة، يصبح التوتر والقلق عاملا أساسيا في تحديد كيفية التصرف.
استشاري علم النفس التربوي سهيل شواقفة، يوضح أن الضغط النفسي يؤثر مباشرة على قدرة الإنسان على التفكير السليم. عند التعرض لضغط شديد، يفرز الجسم هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، والتي تتجه إلى العضلات بدافع الدفاع، ما يؤدي إلى انخفاض نسبة الأوكسجين في الدماغ. هذا النقص في الأوكسجين يؤثر على القدرة على التفكير العقلاني، مما يجعل الإنسان في حالة من التوتر والارتباك، وغير قادر على اتخاذ قرارات سليمة.
بين العاطفة والمنطق.. من يسيطر؟
عندما يكون الشخص تحت تأثير الضغط النفسي، تصبح العاطفة هي المسيطرة، لأن العقل يكون في حالة ضعف بسبب الانفعال. بحسب شواقفة، والقرارات المتخذة في هذه الحالات غالبا ما تكون سريعة وغير مدروسة، حيث تقوم العاطفة بتضخيم بعض الجوانب وتقليل شأن جوانب أخرى، مما يؤثر على القدرة على الحكم الصحيح.
يؤكد شواقفة أن أسلوب التعامل مع هذه المواقف يعتمد بشكل كبير على تجارب الشخص السابقة. فكلما كان لديه خبرات في التعامل مع الأزمات، زادت قدرته على ضبط انفعالاته واتخاذ قرارات أكثر توازنا.
الشعور بالذنب.. كيف
تتعامل معه العائلات؟
يقول شواقفة، بعد اتخاذ قرار مصيري مثل وقف العلاج، قد يشعر البعض بالذنب، خاصة إذا كانوا يعتقدون أنهم اتخذوا القرار الخاطئ. إن الشعور بالذنب يكون أقوى لدى الأشخاص الذين يركزون على الجوانب السلبية فقط، ولا ينظرون إلى الصورة الكاملة.
الحل هنا، هو أن يكون الإنسان منطقيا في تقييم القرار، ويدرك أنه اتخذ أفضل قرار ممكن بناء على المعلومات المتاحة في ذلك الوقت. فالقرار الذي بدا صحيحا في سياق معين قد يبدو مختلفا لاحقا عند توفر معطيات جديدة، ولكن لا يعني ذلك أنه كان خاطئا وقت اتخاذه.
الشعور بالحزن بعد اتخاذ القرار أمر طبيعي، وهو جزء من عملية تقبل الفقدان. ويجب السماح للأشخاص بالتعبير عن مشاعرهم، سواء من خلال الحديث مع شخص مقرب، أو الكتابة، أو حتى الرسم. الإنكار أو كبت المشاعر قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة النفسية لاحقا.
قرار وقف العلاج.. أخلاقيات وثقافة مجتمع
مسألة اتخاذ قرار بوقف العلاج أو الاستمرار فيه ليست فقط قضية طبية، بل أخلاقية ودينية أيضا، وتختلف طريقة التعامل معها من مجتمع إلى آخر. في بعض الدول الغربية، يُعتبر "الموت الرحيم" خيارا قانونيا، لكن في المجتمعات العربية والإسلامية، يُنظر إليه على أنه مرفوض أخلاقيا ودينيا.
أما بالنسبة لمشاعر العائلات بعد اتخاذ القرار، فإن ثقافة المجتمع تلعب دورا كبيرا. في المجتمعات العربية، يبقى الشعور بالذنب موجودا حتى لو كان القرار هو التخفيف من معاناة المريض، بينما في المجتمعات الغربية، يُنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة.
المنطق مقابل العاطفة.. من ينتصر؟
يؤكد شواقفة أنه في ظل الضغط النفسي، يصبح من الصعب على الإنسان التفكير بعقلانية. لهذا السبب، يُنصح بعدم اتخاذ قرارات مصيرية في حالات الانفعال الشديد، فكما أن القاضي لا يحكم وهو غاضب، والشخص الغاضب لا يقع طلاقه لأنه ليس في وعيه الكامل، فإن القرارات المصيرية يجب أن تُتخذ بهدوء وبعد تفكير متزن.
ورفع أجهزة التنفس عن مريض يحتضر ليس مجرد إجراء طبي، بل لحظة فاصلة بين التمسك بحب الحياة والخضوع لحقيقتها. هو القرار الذي يبقى محفورا في ذاكرة العائلة، تتردد أصداؤه في كل ذكرى، في كل حلم، في كل نظرة إلى سرير فارغ كان يوما يضم من نحب.
المعضلة لم تكن يوما في الموت ذاته، بل في قدرتنا على تقبله. وفي النهاية، لا أحد يقرر متى تنتهي حياة الآخر، لكننا جميعا نُختبر في كيفية توديع من نحب، وفي قدرتنا على الموازنة بين الرحمة والخوف، بين الأمل والاستسلام، بين القلب والعقل.
0 تعليق