وردةٌ بيضاءُ للشهداء

صحيفة عمان 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

جَسَدٌ بِلا رَأْسٍ،

وأجْسامٌ بِلا ساقَينِ،

أَيْدٍ شَوَّهَتْها النّارُ،

أَحْرَقَ وَجْهَهَا البارودُ،

أدْماها لَظَى الرُّعبِ المُحنّطِ

في وجوهِ الرّاحِلينَ إلى البقاءِ

وفي رُؤوسٍ صارَعَتْ وَجَعَ القَذيفةْ

طَلَعَتْ، كما قَمرٍ تَشَظّى

سَطَعَتْ، كَشَمْسٍ قاوَمَتْ سُحُبَ الغَمامْ

بَزَغَتْ، كَفَجْرٍ

ظَلَّ يُرهِقُ عَتْمَةَ الأَنْواءِ والليلَ البَهيمَ،

فَمَنْ يُخَفِّفُ وَقْعَ مَأْساةٍ مُخيفَةْ؟!

جُثَثٌ تَناثَرَ لَحْمُها بَيْنَ البُيوتِ،

وَفَوْقَ أغْصانِ الشَّجَرْ

قِطَعٌ مِنَ الأَشْلاءِ

ساحَتْ.. ثُمَّ ساخَتْ

في أتونِ قَنابِلِ الفُسفورِ والحِقدِ الدَّفينْ

نُسِفَتْ بِريحٍ صَرْصَرٍ،

ماجَتْ بِوَحْلِ الرَّملِ،

تَحْتَ الرَّدْمِ،

فَوْقَ غُبارِ أتْرِبَةِ الدَّمارِ

تُحَطِّمُ المُهَجَ البَريئَةْ

القَصْفُ يَأتي مِن لَظَى الأشباحِ فجأَةْ

والمَوْتُ يُخْفي نَفْسَه تَحْتَ الثَّرَى

وَيَحُطُّ مِن فَوْقِ السَّماءِ،

ومِن عُبابِ البَحْرِ

مِثْلَ الصّاعِقَةْ

مِن حَيثُ لا نَدْري يُطيحُ بِنا

فَنَسْقُطُ في دَهاليزِ الظَّلامِ المُطْبِقَةْ

لكِنَّنا لا نَسْتَكينُ،

ولا نَهونُ،

ولا نُهادِنُ،

إنّنا أمَلُ الحَقيقَةِ والأَماني المُشْرِقَةْ

**

شُقَقٌ،

عَماراتٌ،

وَأبْراجٌ تَهاوَتْ مِثلَ فَلّينٍ،

وَذابَتْ في جَحيمِ المَعْمَعَةْ

سَقَطَتْ على لَحْمٍ طَرِيٍّ،

يا لَهَوْلِ الفاجِعَةْ

هَرَسَتْهُ وَاعْتَصَرَتْ بَقاياهُ

فَضَجَّ الأحْمرُ القاني دَما

بَكَت القُلوبُ وَأُثْخِنَتْ هَمّاً وَغَمّا

كُتَلٌ مِن اللحمِ العَصِيِّ تَفَحَّمَتْ

أشْلاءُ أطْفالٍ غَدَتْ أرواحُهُمْ

في ذِمَّةِ الرَّحمنِ ساكِنَةً تُصَلّي

وَتُسَبّحُ الإصرارَ في ألَقِ الوُجوهِ النّاصِعَةْ

وَالصّامِدونَ يُسَطِّرونَ بَهاءَنا

فَخْرًا وَصَبْرا

يُذكونَ أحْلامًا تُراوِدُنا،

وآمالًا تُراوِحُنا،

لِنَرْفَعَ وَرْدَةً بَيْضاءَ لِلشُّهَداءِ والجَرْحَى

وَنَقْطفَ وَرْدَةً حَمْراءَ

لِلأحْرارِ وَالثُّوارِ،

مَنْ صَمَدوا بِوَجْهِ العاتِياتِ مِنَ الرِّياحْ

**

يا أيُّها البَطَلُ المُزَنَّرُ بِالمَدَى عَزْمًا وَهِمَّةْ

أَطْلِقْ عَنانَ الرّوحِ،

مِثْلُكَ لا تَلينُ قَناتُه،

عَبّئْ صَناديقَ الذَّخيرَةِ في ثَناياها،

سَدّدْ فَإن الرَّميَ أصْبَحَ قابَ قَوْسٍ أوْ يَزيدْ

وارجُمْ وُجوهَ الكالِحينَ،

فإنَّ مَوْعِدَنا غَداً صُبْحُ

أَطْفالُ غَزَّةَ لا يَهابونَ المَنايا

أضْحَتْ عِبارَةُ نَحْرِنا عادِيَّةً

ما نَحْنُ فيهِ يَفوقُ وَصْفَ النَّحرِ

أوْ ذَبْحَ الوَريدِ إلى الوَريدِ،

وَلَمْ يَعُدْ يَنْجو بِنا النُّصْحُ

صَبّوا الرَّصاصَ وَسَمّموا أجْواءَنا،

وَنَسوا بَأنّا لَحْمُنا قَيْحُ

تَعِبوا وَما تَعِبَتْ نَوارِسُ بَحْرِنا

كَلا ولا كَلَّتْ مَراكِبُنا

قَدْ طارَ مُحْتَدِمًا بِها الصُّبْحُ

صُعِقوا لأنّا لَمْ نُسلّمْ أمْرَنا

لَمْ نَرْفَعِ الرّاياتِ بيضًا

بَلْ رَفَعْنا هامَةَ الشَّرَفِ الرَّفيعِ،

فَهَلْ يَفيقُ الغافِلونَ النائِمونْ

ما عادَ يُجدي الضَّربُ والشَّبْحُ

سَنَظَلُّ في شَمَمٍ نُقاتِلُ،

لَيْسَ يُثْني عَزْمَنا جَمْعٌ ولا طَرْحُ

إنّا كَسَرْنا حاجِزَ الصَّمْتِ الرَّهيبِ

فَيا قُلوبُ تَصَبَّري،

هذا الزِّنادُ يُثيرُه القَدْحُ

واتْرُكْ لَهُمْ خُذْلانَهُمْ

وَليَشْبَعوا رَقْصاً على آلامِنا

بِدِمائِنا سَيُحَقّقُ الرِّبحُ

هُوَ وَحْدُهُ،

مِن ضيقِهِ،

وَنَحيبِهِ،

قَدْ يَبْرَأُ الجُرْحُ

نُعْلي سَناءَ المَجْدِ

نَرْمُقُ فَجْرَنا الآتِي

وَلَيْسَ يُضيرُنا الذَّبْحُ

- شاعر فلسطيني

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق