كبش الفداء في الأسرة

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يوجد هناك مأساة خفية تجسد أصعب أنواع الظلم الذي تعيشه بعض الأسر، وهي وجود «كبش فداء» في الأسرة، حين يصبح الفرد الأضعف هدفاً لإسقاطات أفراد الأسرة ومشاعرهم السلبية، فيتحمل وزر صراعاتهم التي تبقى متأججة دون حل.

وعملية اتخاذ كبش الفداء عادة بدائية قديمة حيث كانت بعض القبائل تختار شخصاً تعتبره شريراً ينال اللعنة تتم التضحية به من أجل مصلحة المجموع.

ويتم اختيار كبش الفداء في الأسرة لاشعورياً، وتختار الأسرة الطفل عادة لأنه الحلقة الأضعف في الأسرة، أو قد تختار أحد أفرادها الذي يعاني من بعض المشكلات، كأن يكون متأخراً دراسيا، أو خجولاً منطوياً غير قادر على تأكيد ذاته، أو قد يتم اختياره لمجرد كونه مختلفاً وسلوكياته لا تنسجم مع توقعات الوالدين. ويستغل كبش الفداء لتفريغ الصراع والتوتر لدى أفراد الأسرة؛ لأنه هدف سهل يخلصهم من تحمل المسؤولية ومواجهة الواقع بدلاً من حل مشكلاتهم بشكل مباشر وصريح.

وهذه الديناميكية النفسية تُنسج بخيوط رمزية دقيقة؛ فاختيار كبش الفداء لا يكون عشوائياً، بل يعتمد على صفات الطفل التي تثير في اللاوعي ارتباطاً بمصدر الألم الحقيقي، مما يجعله فريسة سهلة لهذا الدور القاسي، فيكون عرضة لإسقاطات الأبوين، أو حلاً لصراعات عانى منها أحدهما في الماضي، ففي بعض الأسر قد يعاني الأب من إخفاقات مهنية متكررة، تجد الأسرة نفسها تركز على طفل متدنٍ في تحصيله الدراسي. تُصبح تلك العلامات الدراسية الضعيفة رمزاً لإخفاق الأب، فيُنعت الطفل بالكسل والتقصير، دون أن يدرك أحد أن مصدر التوتر الحقيقي يكمن في فقدان الأب شعوره بالجدارة. وفي أسرة أخرى، قد تقوم الأم، المثقلة بذكريات علاقة معقدة مع أمها في الماضي، باتخاذ ابنتها التي تشبه في ملامحها تلك الجدة هدفاً للتوبيخ المستمر، وكأنها تُعاقب الماضي عبر الحاضر، أو قد تكون ولادة الطفل قد تزامنت مع فقدان شخص عزيز في الأسرة، فيتحمل الطفل البريء وزر هذا الفقدان لأنه ينظر إليه كنذير شؤم لذلك الحدث الحزين الذي يترك شعوراً بالذنب، وأثراً عميقاً بعيد الأمد في نفسه.

ولكن الثمن لا يدفعه الطفل وحده؛ بل الأسرة بأكملها؛ لأنها تبقى محاصرة في دوامة من الصراع الذي يؤثر سلباً على العلاقات الأسرية والصحة النفسية للأسرة بكاملها، فتفقد تماسكها وشعورها بالتلاحم والبهجة والسعادة.

ومعالجة هذا المؤشر اللاسوي والمرضي في الأسرة يتطلب وعياً عميقاً من الأسرة بجذور صراعاتها، والعمل على مواجهة مشكلاتها بكل شجاعة وشفافية، وعلى الوالدين إن وقعت خلافات بينهما أن يتحدثا عنها بصراحة وبشكل مباشر، والعمل على حلها في جو من الحب والتفاهم، والتواصل الفعال. كما على الأسرة التعامل مع الطفل المشكل أو المختلف بأسلوب سليم، عن طريق توفير جو من الثقة والقبول والمحبة غير المشروطة.

وفي حال استمرار الصراع الأسري، وتحميل المسؤولية لأحد من أفرادها لابد للأسرة من اللجوء إلى مساعدة مختصين في الإرشاد الأسري لحل مشكلاتها وصراعاتها عن طريق تعلم أساليب التواصل الفعال وحل الخلاف حتى لا تتخذ أساليب غير سوية في التعامل معها.

* أستاذة في علم النفس التربوي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق