«من زحمة العيد إلى زحمة الشوارع والمواعيد»

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
حنان الخلفان

مع أول أسبوع بعد عطلة العيد، ستمتلئ الطرق مجدداً بزحمة السيارات، وسيعود صوت المنبّه ليتسلّل إلى الغرف مبكراً، معلناً نهاية موسم الراحة وبداية عودة الجدية. ستبدو بعض الوجوه في المكاتب والمدارس مثقلة بالنعاس، وأخرى ستحاول اصطناع الحماس، بينما يهمس صوت داخلي لدى كثيرين: «هل نحن مستعدون للعودة؟».

ليس الأمر سهلاً؛ فالانتقال من أيام روحانية واحتفالية إلى وتيرة العمل والانضباط يشبه القفز من ضوء ناعم إلى ضوء صارم، تحتاج العين أن تتأقلم، ويحتاج الجسد والذهن إلى إعادة تشغيل.

طوال شهر رمضان، تبدلت العادات، وتغيّر إيقاع الحياة. ساعات النوم، مواقيت الطعام، جدول العمل، وحتى المزاج العام، دخلت في حالة من التكيّف مع طابع الشهر، حيث العبادة والتأمل والصبر والهدوء. ثم جاءت أيام العيد، فغمرتنا بالفرح، والعائلة، والزيارات، والأحاديث التي لا تخلو من الحنين، وبفرصة للابتعاد المؤقت عن المسؤوليات الثقيلة. وبعد ذلك، وكما هي العادة، يعود كل شيء فجأة إلى ما كان عليه: جرس المدرسة، وملفات العمل، والاجتماعات، والواجبات، والاختبارات، ومهام لا تنتظر.

ولعلّ الصعوبة في هذه العودة لا تكمن فقط في الكسل الجسدي أو التراخي الذهني، بل في الفجوة النفسية بين ما عشناه وما ينتظرنا. لا يمكن اعتبار هذه العودة عبئاً، بل هي محطة انتقال طبيعية، نحتاج فيها فقط إلى وقت قصير لاستعادة التوازن.

اللافت أن كثيرين لا يدركون أن ما مرّوا به خلال رمضان يمكن أن يتحوّل إلى رصيد داعم في العودة، لا عائق. فالشهر الكريم لم يكن فقط وقتاً للعبادة، بل أيضاً تدريباً نفسياً وانضباطياً عميقاً: الالتزام بمواعيد ثابتة، ومقاومة الرغبات، وتنظيم الوقت بين العائلة والعمل، والتوقف مع النفس، وإعادة النظر في العادات اليومية. كل هذه القيم ليست حكراً على رمضان، بل يمكن تمديدها إلى ما بعده كطريقة حياة أكثر اتزانًا. المشكلة أن البعض يطوي رمضان وكأنه حدث مؤقت، بينما هو تجربة قابلة للبناء عليها.

من جهة أخرى، تمثل العودة بعد رمضان فرصة ممتازة للمراجعة الذاتية. ماذا أنجزنا خلال الشهر؟ وما الذي تغيّر في وعينا؟ هل اكتشفنا شيئاً عن أنفسنا؟ هل نضجت نظرتنا للوقت، وللالتزام، وللآخرين؟

إذا استطعنا أن نبدأ هذه المرحلة الجديدة بهذه الأسئلة، فإن العودة لن تكون مجرد انتقال فيزيائي من عطلة إلى دوام، بل تحوّلاً ذهنياً ناضجاً، يقوده الإنسان بوعي لا بإجبار.

ولا يجب أن نغفل أيضاً أهمية الطاقة الاجتماعية التي يولّدها هذا التزامن الجماعي؛ فالجميع يعود في الوقت نفسه تقريباً، والجميع يواجه التحدي ذاته، وهذا يخلق نوعاً من التكاتف النفسي غير المعلن.

ومن المهم أن نُذكّر أنفسنا بأن الحياة بطبيعتها تدور في مواسم، وأن لكل مرحلة روحها وطبيعتها. لا يمكن أن نعيش رمضان طوال العام، ولا يمكن أن تستمر العطلة إلى الأبد، كما لا يجب أن نُعامل العمل أو الدراسة وكأنها عقوبة، بل وسيلة لبناء الذات وتحقيق الأهداف.

من وُلد في داخله حسّ التنظيم خلال رمضان، بإمكانه أن يحمله معه طيلة العام. ومن اكتشف في نفسه روح الإيثار والعطاء، يمكنه أن يترجم ذلك في عمله أو دراسته أو علاقاته.

وبصراحة، لسنا أمام «نهاية عطلة»، بل أمام بداية جديدة، بصحوة مختلفة، ومسؤوليات لا تنتظر. لا بأس أن نتثاقل قليلاً في الخطوة الأولى، فالمهم أن نمشي. لا بأس إن احتجنا يوماً إضافياً لنستعيد كامل طاقتنا، لكن لا نسمح لأنفسنا أن نظل في مقاعد التراخي.

فالحياة لا تتوقف بعد الأعياد، بل تبدأ من جديد، بأحلام أكبر، وهمم أعلى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق