شهدت المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الطلاق.. ولقد رأيت بأم عيني أُسراً يتم هدمها تحت إصرار أحد الطرفين على الطلاق، تسمعه أو تسمعها تقول "لا أريد الاستمرار الوضع أصبح لا يطاق"!
وفي آخر حالة طلاق شهدتها تعجبت كثيراً؛ كانا متزوجين عن حب.. قصة من قصص الحكايات ارتباط مبكر منذ الكلية، واستمرا معاً خطوة بخطوة في بناء عش الزوجية، حتى رزقهما الله بثلاثة أطفال في منتهى الجمال.
الجميع كان يتحدث عن انضباط وشدة الزوج، وذكاء الزوجة وطموحها العالي.. كل منهما كان له أفكار مختلفة عن المستقبل.. هل الزواج المبكر كان السبب في الطلاق؟ أم أن الحب يجعل الأطراف ترى كل شيء بشكل مثالي غير واقعي، وعندما يعيش الزوجان الحياة بألمها وضغوضها ومشاكلها تظهر الحقيقة ويحدث الانشقاق؟
بالتأكيد أن الطلاق ليس أمراً هيّناً فهو أبغض الحلال، ويحدث لأسباب متعددة تختلف في كل مرة، لكن من أبرز أسباب الطلاق بناء الأسرة منذ البداية على تصورات غير واقعية. فالكثير من الأزواج يختارون شركاء حياتهم بناءً على صورة مثالية مرسومة في أذهانهم، مستوحاة من الأفلام والمسلسلات الرومانسية أو حتى من تجارب الآخرين، دون النظر إلى الواقع الفعلي للعلاقة الزوجية ومتطلباتها الحقيقية.
الاعتماد على الصورة المثالية وتأثيرها السلبي
عند اختيار شريك الحياة، قد ينجذب البعض إلى الصفات السطحية أو الانطباع الأولي الذي يعكس صورة خالية من العيوب. في هذه المرحلة، يكون الانبهار مسيطراً على العقل، مما يجعل الشخص يتجاهل العيوب أو التحديات الحقيقية التي قد تواجه العلاقة لاحقاً. يعتمد أحد الطرفين، أو كلاهما، على فكرة أن الشريك هو "فتى الأحلام" أو "الزوج المثالي"، متناسياً أن كل إنسان لديه نقاط ضعف وعيوب، وأن العلاقة الزوجية تتطلب جهداً مشتركًا للتعامل مع تلك العيوب عوضا عن إنكارها.
الواقع بعد الزواج
بمجرد أن تبدأ الحياة الزوجية الحقيقية، يكتشف الطرفان أن الواقع يختلف كثيراً عن التصورات المسبقة. يبدأ كل طرف في ملاحظة العيوب التي لم يكن يراها سابقاً، ويشعر بالخيبة عندما لا يتصرف الشريك وفقاً للصورة المثالية التي رسمها له. هذا الشعور بالخذلان يؤدي تدريجياً إلى تراكم المشكلات وسوء الفهم، مما يزيد من احتمالية تفكك العلاقة.
أهمية الواقعية في اختيار شريك الحياة
لتجنّب الوقوع في هذه المشكلة، يجب على الأفراد أن يكونوا أكثر واقعية عند اختيار شريك الحياة. لا يوجد شخص كامل، وكل علاقة تحتاج إلى تفهم وتنازل وتواصل مستمر. من الضروري أن يكون الاختيار مبنياً على معرفة حقيقية بطباع الشريك ومدى توافق القيم والأهداف، وليس على مجرد مشاعر الإعجاب المؤقتة أو التوقعات غير الواقعية.
والأهم أن تكتمل لدى الزوجين القدرة على تحمل المسؤولية والحب والعطاء.. أن يرى كل منهما الآخر بعيداً عن المشاعر، ومن الأفضل أن يكون هناك فترة خطوبة تسبق الزواج لكي يتعرف كل منهما على طباع الآخر.
دور التربية والإعلام في تعزيز الصورة الواقعية للزواج
تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً في تكوين التصورات حول الزواج، ومن الضروري أن تقدم صورة أكثر واقعية للعلاقات الزوجية بدلاً من الترويج للنماذج المثالية غير القابلة للتحقيق. كما أن التربية الأسرية لها دور أساسي في توعية الأبناء بأهمية التفكير الواقعي عند اتخاذ قرار الزواج.
وأخيراً أقول إن بناء الأسرة على أسس غير واقعية يؤدي في كثير من الأحيان إلى الفشل والطلاق، لأن التوقعات المثالية لا تصمد أمام ضغوط الحياة الحقيقية. لذا، فإن الوعي والواقعية في اختيار الشريك، والتفاهم المتبادل بين الزوجين، هما المفتاح لعلاقة ناجحة ومستقرة. الزواج ليس مجرد حلم وردي، بل هو شراكة تتطلب الصبر، والجهد، والتضحية من كلا الطرفين.
0 تعليق