القيادة المدرسية في عالم "VUCA".. رؤية تحليلية لسيناريوهات مستقبلية

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
هالة إبراهيم الجودر

يشهد العصر الحالي تغيّرات سريعة ومتلاحقة تجعل من الصعب التنبؤ بالمستقبل بدقة، التكنولوجيا تتطور بشكل مذهل، الأسواق تتغير باستمرار، والأحداث العالمية تخلق تحديات وفرصاً غير متوقعة، هذا الواقع هو ما يسمى عالم VUCA، المصطلح الذي أصبح يتردد بشكل متزايد في مختلف المجالات، حيث يشير إلى بيئة عالمية تتسم بالتقلبات السريعة، وعدم اليقين، والتعقيد، والغموض، كما أنه يتميز بالابتكارات التكنولوجية المتسارعة والتقنيات الذكية وتطور الخدمات والمنتجات؛ وبالتالي يقتضي تغييراً كبيراً وشاملاً في طبيعة الوظائف والمهارات والقدرات والتعليم والتدريب والتأهيل من الكم إلى الكيف. إن عالم اليوم المهارات الأساسية فيه هي مهارات القيادة الاستراتيجية والقدرة على حل المشكلات واتخاذ القرارات وتحسين الأداء.

في هذا العالم، لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بالخبرة أو المعرفة التقليدية، بل أصبح يعتمد على المرونة، والقدرة على التكيّف، واتخاذ القرارات بذكاء وثقة. الأفراد والمؤسسات الذين يستطيعون التعامل مع هذا الواقع بفكر استراتيجي ورؤية واضحة هم من يتمكنون من تحقيق التميز والاستدامة في مواجهة التحديات المستمرة.

هذه التقلبات تؤثر باستمرار على الأفراد والمجتمعات والمؤسسات ومع الظروف المتغيّرة تزداد الحاجة إلى التكيّف السريع خاصة في مجال التعليم الذي يتأثر بشكل مباشر بهذه التحولات، فالتغيّرات السريعة في التكنولوجيا وتطور وتغيّر احتياجات واهتمامات الطلبة ومتطلبات سوق العمل، إضافة إلى التحديات العالمية تجعل من الصعب على المؤسسات التعليمية التخطيط للمستقبل بشكل ثابت، لذا على هذه المؤسسات أن تبني استراتيجيات مرنة قادرة على الاستجابة مع هذه التغيّرات المتسارعة بما يضمن استمرارية تطور العملية التعليمية وتحقيق الأهداف المرجوة.

يشير مصطلح VUCA إلى عالم مليء بالتحديات التي تتميز بـ"التقلب" و"عدم اليقين" و"التعقيد" و"الغموض" وقد تم اختصار هذا المصطلح من الكلمات التالية: Volatility (التقلب)، Uncertainty (عدم اليقين)، Complexity (التعقيد)، Ambiguity (الغموض)، ظهر هذا المصطلح لوصف بيئة العمل غير المستقرة والمتغيرة بسرعة، ومع مرور الوقت أصبح هذا المفهوم يعبّر عن التحديات التي تواجهها المؤسسات، ومن ضمنها المؤسسات التعليمية في ظل التغيّرات العالمية السريعة والمفاجئة.

التقلب: يشير إلى السرعة التي تحدث بها التغيّرات في البيئة أو الظروف، في عالم VUCA التغيّرات ليست ثابتة، بل تتسم بالحركة المستمرة وغير المتوقعة، يمكن أن يكون التغيّر متعلقاً بأي مجال مثل التكنولوجيا، والاقتصاد، والتعليم، هذه التغيّرات قد تكون سريعة وقوية.

عدم اليقين: ويقصد به نقص المعلومات المتاحة حول الأحداث المستقبلية، في عالم VUCA لا يوجد دائماً وضوح بشأن ما سيحدث في المستقبل؛ مما يجعل التنبؤات والقرارات المستندة إلى بيانات سابقة غير دقيقة أو موثوقة، وقد يؤدي هذا إلى صعوبة في التخطيط واتخاذ القرارات الصحيحة في المستقبل.

أما التعقيد، فيعكس الطبيعة المترابطة والمتداخلة للظواهر والأحداث، ففي عالم VUCA كل قرار أو تطور قد يكون له تأثيرات جانبية قد لا تكون واضحة في البداية، فالعديد من المشكلات تتطلب معالجة متعددة الأبعاد؛ مما يستدعي فهماً عميقاً للمواقف المختلفة وأبعادها المتشابكة.

والغموض يشير إلى حالة من عدم الوضوح أو الغموض في تحديد النتائج المحتملة أو تفسير الأحداث، في عالم VUCA لا تكون الأسباب والنتائج واضحة دائما؛ وبالتالي يصعب توجيه استراتيجيات دقيقة، كما يشير الغموض إلى أن الوقائع قد تفسر بطرق متعددة، وأنه من الصعب التأكد من الأجوبة الصحيحة، أي هناك تشوش العلاقة بين السبب والأثر.

تواجه المؤسسات التعليمية حالياً تحديات متزايدة تتطلب من القيادات المدرسية أن تتجاوز مجرد إدارة المؤسسة التعليمية إلى دور أكثر ديناميكية، فعلى القائد أن يمتلك رؤية استراتيجية ومرونة عالية لمواكبة هذه التغيرات المستمرة، وعلى القيادة المدرسية أن تؤدي دوراً حاسماً في مواجهة هذه التحديات، من خلال قيادة وإدارة المدارس بشكل فعال لضمان استمرارية العملية التعليمية وجودتها العالية رغم الظروف غير المستقرة، ففي عالم VUCA لا تقتصر القيادة المدرسية على الإدارة التقليدية فقط، بل تشمل التكيف السريع مع المتغيرات، واتخاذ قرارات استراتيجية بناء على معطيات غير واضحة، وتوجيه الفرق نحو تحقيق الأهداف في بيئة مليئة بالتحديات.

في ظل عالم التحديات والتغيرات المستمرة، يتطلب الدور القيادي في المدارس امتلاك مهارات وقدرات خاصة لضمان تقديم تعليم فعال ومؤثر، ومن أبرز هذه الأدوار القدرة على القيادة بالمرونة والتكيف، وهي أساس النجاح في عالم VUCA، حيث لا يمكن التنبؤ بما سيحدث، لذا على القائد أن يكون مستعداً للتفاعل مع التغيرات السريعة والظروف المتقلبة، من هنا تعد المرونة أمراً مهماً، وهذا يتطلب منه تعديل استراتيجياته بسرعة استجابة للتحديات المتجددة مع اتخاذ قرارات مدروسة تجمع بين الحذر والسرعة في اتخاذ القرار بناء على المعلومات المتاحة، مع الاستعداد لإعادة تقييم هذه القرارات في ظل أي تغييرات مفاجئة.

علاوة على ذلك، في بيئة مليئة بالغموض والتحديات يعتبر التحفيز وبناء الثقة من المهام الأساسية التي يجب على القائد القيام بها، فالمعلمون والطلبة بحاجة إلى قائد يلهمهم ويحفزهم على الاستمرار رغم الضغوط، ولتحقيق ذلك يجب على القائد بناء الثقة من خلال الشفافية والتواصل الفعال، مما يعزز شعور الفريق بالأمان النفسي وسط الظروف غير المستقرة.

كما يُعد الابتكار والتفكير الإبداعي جزءاً حيوياً من القيادة في هذا العالم المتغير، القائد المتميز هو من يكون قادرا على تشجيع فريقه على التفكير بطرق جديدة وخارجة عن المألوف لمواجهة التحديات المتزايدة والمعقدة يجب أن يكون لديه القدرة على تخطي الطرق التقليدية وإيجاد استراتيجيات جديدة، وهذا ما يتطلب منه امتلاك رؤية واضحة للمستقبل، وقيادة فريقه نحو تلك الرؤية حتى في أوقات الغموض؛ مما يساعدهم على فهم الصورة الأكبر والهدف المشترك الذي يسعون لتحقيقه.

وفي هذا السياق يجب أن يكون القائد مخططاً استراتيجياً، ويتعيّن عليه أن يوازن بين اتخاذ قرارات على المدى القصير ومتابعة استراتيجيات طويلة المدى، وأن تكون لديه القدرة على التفكير في السيناريوهات المستقبلية المحتملة والتخطيط لها لضمان استعداد الفريق لما قد يحدث في المستقبل. وأخيراً لا يمكن إتمام دور القائد هنا دون التركيز على تطوير المهارات والقدرات داخل الفريق فالقائد الذكي يوفر فرص التدريب المستمر للمعلمين والطلبة على حد سواء لضمان جاهزيتهم لمواجهة تحديات العصر الرقمي والتكيف مع التغيرات المتسارعة؛ مما يعزّز قدرتهم على التكيف مع المستقبل المجهول.

وبناء على ذلك، فإن المهارات التي تحتاجها القيادة المدرسية في عالم يتسم بالتقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض تشمل المرونة في مواجهة التقلب، حيث يمكن أن تحدث الأزمات بشكل مفاجئ، وعندها يجب أن تكون القيادة المدرسية سريعة الاستجابة لمواجهة هذه التحديات، فمرونة القيادة تتجلى في كيفية التكيف مع التغيرات الكبيرة.

ومع وجود عدم اليقين، تحتاج القيادة المدرسية إلى أن تكون لديها رؤية واضحة للمستقبل، لكنها في الوقت ذاته عليها أن تكون مستعدة للتكيّف مع أي تغيّرات مفاجأة، ففي عالم مليء بعدم اليقين يتعيّن على القائد وضع خطة استراتيجية مرنة يمكن تعديلها وفقاً للظروف المستجدة.

وفيما يتعلق بالتعقيد في العصر الحديث يشهد القائد تحدياً يتمثل في إدارة وتبسيط هذا التعقيد، فالتشابك بين التكنولوجيا والقيم الثقافية والاجتماعية للطلبة، وفي الوقت نفسه توفر التكنولوجيا إمكانيات كبيرة لتحسين العملية التعليمية وتوسيع نطاق المعرفة كما قد تؤثر استخدامات التكنولوجيا الحديثة على القيم الثقافية والاجتماعية التي تشكّل جزءاً أساسياً من هوية الطلبة.

وللاستجابة للغموض، يحتاج القائد إلى القدرة على اتخاذ قرارات بناء على أفضل المعلومات المتاحة، رغم نقص اليقين والبيانات الواضحة في مواقف الغموض.

ولتقريب الموضوع إلى الأذهان بشكل عملي، سأعطي مثالاً لسيناريو (إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم)، وتحديات عناصر عالم VUCA عند تنفيذ هذا النظام الجديد:

التقلب: التكنولوجيا تتغير بسرعة والنظام الجديد لايزال في مرحلة التقييم والتجربة، وهذا يعني التغيير السريع والمفاجئ في أساليب التعليم وعدم استعداد المعلمين والطلبة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم اليومي، إضافة إلى مخاوف حول فقدان وظائف المعلمين؛ بسبب الأتمتة والاعتماد على التكنولوجيا.

عدم اليقين: الشك حول نتائج تطبيق الذكاء الاصطناعي في التعليم وهل سيحقق تحسيناً حقيقياً في مستوى الطلبة؟ هل سيكون هناك تفاوت في الأداء بين الطلبة الذين لديهم مهارات تقنية متقدمة والذين يفتقرون لها؟ إضافة إلى قلق أولياء الأمور من تأثير الذكاء الاصطناعي على مهارات التفكير لدى أبنائهم.

التعقيد: تطبيق الذكاء الاصطناعي يتطلب تدريباً شاملاً للمعلمين وتوجيها مستمرا للطلبة وطمأنة أولياء كذلك توفير البنية التحتية التقنية (أجهزة، إنترنت سريع) ودمج المناهج الحالية مع الأدوات الذكية.

الغموض: لا توجد معايير واضحة لقياس نجاح التجربة أو فشلها حول كيفية دمج الذكاء الاصطناعي مع الأنظمة التعليمية الحالية دون إرباك العملية التعليمية والتساؤلات حول من المسؤول عن إدارة البيانات وتحليلها؟ كيف يتم تقييم أداء الطلبة مع وجود أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

أما فيما يتعلق بكيفية التعامل والاستجابة المرنة مع تحديات هذه العناصر وفق السيناريو السابق، فستكون على النحو التالي:

التقلب: تنظيم ورش تدريبية مكثفة للمعلمين والطلبة حول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو برامج تحليل الأداء الذكية، كذلك إدخال الذكاء الاصطناعي على مراحل تدريجية بدلاً من التغيير الكلي المفاجئ والتأكيد على أن دور الذكاء الاصطناعي هو مساعدة المعلمين، وليس استبدالهم.

عدم اليقين: إطلاق مشاريع تجريبية (Pilot Projects) لاختبار فعالية الذكاء الاصطناعي على مجموعة محددة من المدارس ثم جمع التغذية الراجعة من أولياء الأمور والطلبة لتقييم المخاوف ومعالجتها، إضافة إلى وضع معايير واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل يضمن تنمية المهارات الأساسية مثل التفكير الناقد والكتابة الإبداعية.

التعقيد: تقسيم المشروع إلى مراحل تنفيذية مع تكليف فرق مختلفة لإدارة كل جانب (التدريب، التكنولوجيا، المحتوى) التركيز على المدارس الأكثر جاهزية في البداية، ثم توسيع التطبيق تدريجيا مع التعاون مع شركات تقنية محلية وعالمية لدعم البنية التحتية.

الغموض: تشكيل فرق بحث وتطوير تعمل على وضع خطط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتقييم النتائج مع تصميم معايير تقييم جديدة تجمع بين أداء الطلبة التقليدي والتفاعل مع الأدوات الذكية، وأخيراً ضمان الشفافية في التعامل مع البيانات عبر وضع سياسات واضحة حول حماية الخصوصية.

عند تنفيذ هذا السيناريو - إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم - على مستوى مدرسة، كان لمديرها دور فاعل وحيوي من خلال وضعه لخطة مرنة استجابة لتطبيق النظام الجديد تضمنت:

توضيح الرؤية المشتركة: أدرك المدير ضرورة توفير رؤية واضحة لجميع الأطراف المعنية؛ ولذلك عقد اجتماعات وجلسات توضيحية مع المعلمين والطلبة وأولياء الأمور لشرح أهداف النظام التعليمي الجديد وكيف يمكن أن يعزّز من دور المعلم بدلاً من استبداله، كما أكد أن التكنولوجيا هي أداة دعم وليست بديلا، وأن دور المعلم في بناء العلاقات الإنسانية والتعليمية يظل محورياً.

التدريب والتطوير: لتقليل المخاوف وزيادة الثقة نظم مدير المدرسة ورش عمل تدريبية مكثفة للمعلمين، مع التركيز على كيفية استخدام النظام الجديد وتعزيز ثقتهم بأنهم لا غنى عنهم في العملية التعليم، كما أطلق برنامجاً لدعم الطلبة في التكيف مع التكنولوجيا، بما في ذلك جلسات إرشاد وتدريب عملي.

بناء نظام دعم: كان من المهم أن يشعر جميع المعنيين بأن لديهم منصة للتواصل والتعبير عن مخاوفهم لذلك أنشأ المدير لجنة من المعلمين والطلبة وأولياء الأمور لمتابعة تنفيذ النظام الجديد وتقديم اقتراحات لتحسينه، ووفر خطاً مفتوحاً للتواصل مع إدارة المدرسة للإجابة عن أي استفسارات أو مخاوف قد تطرأ.

إدارة التوقعات: أدرك المدير أن النتائج الأولية قد تكون متباينة لذلك أكد أن المدرسة ستتابع تأثير النظام الجديد بشكل دوري لضمان تحقيق الأهداف التعليمية، وشدد على أن التغيير هو عملية تحتاج إلى وقت، ودعا الجميع إلى التحلي بالصبر والمشاركة الفعالة في تحقيق النجاح المستقبلي.

استثمار المرونة: مع ملاحظة صعوبة لدى بعض الطلبة في التكيف مع النظام الجديد، قرر المدير تقديم خيار تعليمي مواز يعتمد على الأساليب التقليدية بجانب النظام القائم على الذكاء الاصطناعي، كما أضاف برامج تركز على المهارات الأساسية لضمان عدم وجود فجوات في تعلم الطلبة بسبب التكنولوجيا.

النتيجة: مع مرور الوقت، بدأ المعلمون يشعرون بالتمكين بدلا من القلق، حيث أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تدعم أساليبهم التعليمية، ولا تحل محلهم كذلك أظهر الطلبة تحسناً تدريجياً في أدائهم مع اندماجهم في النظام الجديد. أما أولياء الأمور، فقد أصبحوا أكثر ثقة بالنظام بعد رؤية نتائجه المبكرة وسماع تقارير إيجابية من إدارة المدرسة.

أثبت هذا السيناريو أن إدخال التغيير في عالم VUCA يتطلب إدارة فعالة للمخاوف، وتعزيز المهارات، وإيجاد بيئة تعليمية شاملة تشجع الجميع على التعاون، وإن التواصل المستمر مع كل الأطراف المعنية يساهم بشكل كبير في تحويل الغموض إلى وضوح، ويعزز الثقة في العملية التربوية، مما يساهم في نجاح التغيير والتكيف مع الظروف المتقلبة.

وبذلك تعتبر القيادة المدرسية أكثر من مجرد إدارة يومية للمؤسسة التعليمية، بل يتطلب الأمر من القائد المدرسي أن يكون مرناً، ومبتكراً، ومستعداً لتحديات غير متوقعة من خلال التخطيط الاستراتيجي، والقيادة التشاركية، واستخدام التكنولوجيا، والتواصل الفعّال، يمكن للقيادة المدرسية أن تواجه هذا العالم بشكل فعال، ويضمن بيئة تعليمية مستقرة ونموذجية لجميع الطلبة.

* قائدة تربوية وخبيرة في القيادة والتخطيط الاستراتيجي والجودة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق