خلص رمضان.. بس الخير باقٍ

الوطن البحرينية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حنان الخلفان

ما بين آخر سحور وأول تكبيرة.. يولد العيد، لا كزائر، بل كثمرة لرحلة طويلة، هو نهاية قصة وبداية أخرى، نهاية شهر امتلأت أيامه بالصبر، ولياليه بالرجاء، وساعاته بالدعاء. ثلاثون يوماً من الانضباط والروحانية والتقشف الجميل.. ها نحن نودّعها ونقف على عتبة الفطر، نحمل معنا ما تعلّمناه، ونتساءل بصمت: هل سنستمر؟

ومع العيد، لا يُطرح السؤال عن الفرح فقط، بل عن أثر الرحلة التي سبقت هذا اليوم.

فرمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل موسماً لتزكية النفوس وتهذيب السلوك، اختباراً يومياً للإرادة، وفرصة لإعادة ترتيب أولويات الروح. في أيامه تعلّمنا كيف يكون الصبر عبادة، وكيف يكون الكرم سلوكاً فطرياً، وكيف يمكن للإنسان أن يسمو على عاداته ويتجاوز نفسه.

فهل كانت تلك القيم لحظية مرتبطة بالشهر الفضيل، أم أنها أصبحت جزءاً أصيلاً منّا؟هل سنحمل نقاء تلك الأيام في قلوبنا، فنُبقيها رحبة كما كانت، صافية كما كانت، خاشعة كما كانت.. أم أن كل ما اكتسبناه سيتلاشى بصمت، مع انقضاء التراويح وانتهاء السحور؟فهل سنحمل نقاء تلك الأيام في قلوبنا، فنُبقيها رحبة كما كانت، صافية كما كانت، خاشعة كما كانت، أم أن كل ما اكتسبناه سيتلاشى بصمت، مع انقضاء التراويح وانتهاء السحور؟فالعيد، في جوهره، ليس مجرد مناسبة تُحتفل بها، بل اختبارٌ أول لقيمٍ تراكمت في أرواحنا خلال شهرٍ كامل. لحظة نُعيد فيها النظر، لا في ملابسنا واستعداداتنا فقط، بل في أنفسنا، وفيما إذا كنّا قادرين على حمل تلك السكينة معنا إلى ما بعد الزحام.هل تغيّرنا حقاً؟ وهل هذا التغيّر قادر أن يصمد أمام صخب الحياة بعد رمضان؟وفي خضم هذا التأمل، لا يمكننا أن نتجاهل أولئك الذين منحوا هذا العيد معناه العميق، دون أن يطلبوا مقابلاً أو يظهروا في المشهد.تلك الأم التي وقفت بجلابية رمضان وربطة رأسٍ مألوفة، لكن يديها ظلّتا تصنعان الفرح في كل زاوية من زوايا البيت. بين قدر الطهو وسجادة الصلاة، بين تعبها وصمتها، رسمت صورة العيد قبل أن يُرسم.وذلك الأب، الذي لم يُكثر من الكلام، لكنه فعل الكثير. وفّر، وركض، وقلق، وطمأن، فقط ليشتري ابتسامةً صغيرة لأسرته، ويُقدّم لبيته ما يستطيع، دون أن يُشعر أحداً بثقله.هؤلاء هم العيد، لا في أزيائه، ولا في أضوائه، بل في جوهره الإنساني العميق.في من تعب بصمت، وفرح بأقل القليل، ووهب من قلبه دون أن يُسأل.لذلك، قبل أن نبدأ بالمعايدات الرسمية، لنتوقف لحظة.. لحظة مراجعة صادقة مع أنفسنا:ماذا غرس فينا رمضان؟ وماذا سنحمله معنا إلى ما بعده؟هل كان مجرد طقس موسمي ديني، أم محطة حقيقية تغيّرنا فيها؟وهل مازال فينا ما يُشبه ذلك الصفاء الذي كنا عليه ونحن نقف بين يدي الله في جوف الليل؟ولأولئك الذين يصنعون المعنى الحقيقي لهذا العيد، دون ضجيج..لمن أضاءوا البيوت بقلوبهم لا بثرياتهم..لمن وقفوا في الزوايا الخفية من البيت يديرون حياةً كاملة بصبرٍ لا يُرى..لكم الشكر.. لأنكم كنتم الركن الذي يُسندنا حين يميل كل شيء.وبصراحة.. ولأن كل عيدٍ لا يكتمل دون من نُحب، نرفع أيدينا بالدعاء لمن غابوا هذا العام، وتركوا في قلوبنا فراغاً لا يُملأ.رحم الله من سبقونا إلى الدار الآخرة، وجعل العيد عندهم أجمل، وجعل لنا في ذكراهم سلوى ورضا.كل عام وأنتم بخير..ولمن غابوا عن هذا العيد: أنتم حاضرون في الدعاء، في الذاكرة، في تفاصيل البيت التي لا تنساكم، وفي قلوب أحبّتكم التي لن تطفئها الأيام.أنتم عيدنا المؤجل.. إلى أن نلتقي عند الكريم الرحمن.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق