الذكاء الاصطناعي التوليدي.. نعمة ثورية أم كارثة نفسية؟

الغد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

loading ad...

د. سلام عاشور*

عمان - في عالم يتسارع نحو المستقبل بوتيرة غير مسبوقة، أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر من مجرد أداة تقنية؛ لقد تحول إلى شريك غير مرئي في تشكيل وعينا، قراراتنا، وحتى حالتنا النفسية. فمن خلال أنظمته المتطورة، أصبح يرافقنا في العمل، الترفيه، التعلم، وحتى في بناء علاقاتنا الاجتماعية. لكن بينما يمنحنا إمكانيات غير محدودة، يطرح أيضا تحديات نفسية عميقة، تتفاوت آثارها بين الأطفال، النساء، والأفراد في سياقهم الحياتي اليومي.اضافة اعلان
الأطفال.. جيل ينمو بين الواقع والافتراض
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للعب أو التعلم، بل أصبح معلما رقميا وصديقا افتراضيا للأطفال فقد أشارت احدى الدراسات أن سوق التعلم الإلكتروني العالمي ينمو بسرعة ومن المتوقع أن يصل إلى 491.35 مليار دولار بحلول عام 2028. ورغم فوائده في تطوير المهارات المعرفية، إلا أن الإفراط في استخدامه قد يضعف مهارات التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات. الطفل الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في الإجابة عن أسئلته اليومية، قد يصبح أقل ميلا للاستكشاف والتجربة بنفسه. كما أن التعرض المتكرر للمحتوى الاصطناعي قد يشوه فهمه للواقع، مما قد يؤثر على تقديره لذاته وقدرته على التفاعل الاجتماعي الحقيقي. وهنا تبرز الحاجة إلى توجيه استخدام الأطفال لهذه التقنية بوعي، بحيث تظل أداة تعزز إبداعهم دون أن تستبدله.
النساء.. بين تمكين رقمي وضغوط غير مرئية
لقد أتاح الذكاء الاصطناعي للنساء فرصا غير مسبوقة في سوق العمل الرقمي، فبات بإمكانهن إدارة أعمالهن، تطوير مهاراتهن، والوصول إلى مسارات وظيفية جديدة دون قيود المكان أو الزمان. ولكن في المقابل، فرض عليهن ضغوطا نفسية مضاعفة، إذ أصبحت التوقعات الاجتماعية والمهنية أكثر تعقيدا. إن التعرض المستمر للصور المثالية التي ترسمها خوارزميات الذكاء الاصطناعي للجمال، النجاح، والحياة المثالية، قد يرسّخ مشاعر القلق وعدم الرضا عن الذات. كما أن العمل في بيئات رقمية قد يعزز العزلة الاجتماعية، مما يزيد من احتمالية الشعور بالتوتر والاحتراق النفسي.
قراراتنا بين الاستقلال والتوجيه الخفي
أصبح الذكاء الاصطناعي متغلغلا في تفاصيل حياتنا اليومية، من اقتراحات الأفلام إلى المساعدات الذكية التي تخبرنا بما نأكل وما نشتري. ورغم ما يوفره من راحة وسهولة، إلا أن الاعتماد المفرط عليه قد يضعف قدرتنا على اتخاذ قرارات مستقلة. عندما تتحول اختياراتنا إلى مجرد استجابة لما تمليه علينا الخوارزميات، نفقد جزءا من وعينا النقدي وقدرتنا على التحليل الذاتي. علاوة على ذلك، فإن استبدال التفاعل البشري بالمحادثات مع الذكاء الاصطناعي قد يزيد من مشاعر العزلة، خاصة لدى الفئات التي تعتمد عليه كبديل للعلاقات الاجتماعية.
الذكاء الاصطناعي.. تحدٍ أم فرصة؟
السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشكل خطرا على صحتنا النفسية، بل كيف يمكننا التفاعل معه بطريقة تعزز رفاهنا النفسي بدلا من استنزافه. إن الاستخدام الواعي والمتوازن لهذه التقنية هو المفتاح، بحيث نستفيد منها دون أن نصبح أسرى لها. علينا أن نضع حدودا رقمية تحمي صحتنا النفسية، وأن نحافظ على المساحات الإنسانية التي لا يمكن لأي خوارزمية أن تعوضها. إن مستقبلنا مع الذكاء الاصطناعي ليس مكتوبا مسبقا، بل نحن من نصوغه بوعي، فإما أن نجعله أداة للتمكين والابتكار، أو أن نسمح له بأن يسلبنا جوهر إنسانيتنا في عالم رقمي بلا حدود.
*اختصاصية نفسية 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق