شيخوخة الديمقراطية (1 – 3)

الغد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

loading ad...

ساد في القرن المنصرم مفهومان للحكم في العالم وما يزالان سائدين للآن، المفهوم الديمقراطي الذي يعني فيما يعنيه «حكم الشعب»، وهذا المفهوم كرسّته الثورة الفرنسية وفلاسفتها وفي مقدمتهم الشهير «جان جاك روسّو» وخاصة كتابه (العقد الاجتماعي) الذي كان له الأثر الأكبر على رجال الثورة الفرنسية والذين اعتنقوا آراء روسّو خاصة ما تعلق منها بمبدأ سيادة الأمة، وسجل هذا المبدأ في إعلان حقوق الإنسان الفرنسي لسنة (1789) وكذلك في الدستور الفرنسي لعام (1791)، لذلك لقب روسو بأبي الديمقراطية ووصف كتابه العقد الاجتماعي بأنه (إنجيل الثورة).اضافة اعلان
تناول روسّو في كتاباته شكل الدولة ووظيفتها استناداً لهذا المبدأ، وقرر أن وظيفة السلطة الحاكمة تقوم على أساس فكرة (الدولة الحارسة) التي تقتصر على مجرد الوظيفة البوليسية وتتركز في أمور ثلاثة هي (كفالة الأمن الخارجي) وذلك بالدفاع عن أفراد شعبها ضد أي اعتداء خارجي وإقامة جيش لرد هذه الاعتداءات، وثانيها (حماية الأمن الداخلي للأفراد) بإقامة قوات الأمن اللازمة لذلك، وثالثها (إقامة القضاء) للفصل في النزاعات التي تنشأ بين الأفراد أو بين الدولة والأفراد، أما حقوق الأفراد فقد تقرر في مفهومه أن الدولة الحارسة يجب ألاّ تتدخل في حقوق الأفراد وحرياتهم وعدم المساس بها أو الاعتداء عليها ومنها الحريات الشخصية كحرية التنقل وحق الأمن وحرية المسكن وسرية المراسلات وكذلك الحريات الذهنية كحرية الرأي وحرية الاجتماع وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات والحرية الدينية والمعتقد وحرية التعليم والتعلم وحرية الصحافة، وكذلك الحريات الاقتصادية كحرية التملك وحرية التجارة والصناعة، إذ أن الدولة الحارسة يجب أن تحمي هذه الحريات جميعها ولا تعتدي عليها وتمارس سلطتها فيما عدا ذلك من خلال سلطات ثلاث تنبثق عن الشعب أو الأمّة: سلطة تشريعية منتخبة مباشرة من الشعب تقوم بتشريع للقوانين وتراقب حسن تطبيقها، وسلطة تنفيذية منبثقة عن السلطة التشريعية و/أو تتمتع بثقتها وفي ذلك شرح طويل لسنا هنا بصدده، لأنه يختلف من دولة إلى أخرى من الدول التي تتبع هذا النظام، وسلطة قضائية تتمتع باستقلال كبير في إصدار أحكامها لفض النزاعات بين أفراد الشعب أو بين ما ينشأ من خلاف بين أفراد الشعب وباقي السلطات باعتبارها من أشخاص القانون العام.
هذا المفهوم الديمقراطي كما أشرنا في البداية ساد في أغلب دول العالم في القرن العشرين وما يزال وبأشكال تختلف من دولة إلى أخرى، فمنها النظام الديمقراطي البرلماني الكامل، ومنها النظام الديمقراطي الرئاسي كما في فرنسا وأميركا ومؤخراً في تركيا وربما في دول أخرى لا أذكرها، وساد أيضاً في الأنظمة الملكية في أوروبا والعالم الثالث، ولسنا هنا بصدد تفصيل أشكال الأنظمة التي تعتنق هذا المبدأ سواء الملكية منها أو الجمهورية.
أمّا الدول الأخرى التي لا تعتنق هذا المبدأ فهي تنقسم إلى عدة دول:
-  أمّا دول متخلفة يسود فيها حكم الفرد- الدكتاتور– الذي لا يؤمن بحكم الشعب أو مشاركة الشعب في الحكم، ويحكم بأنصاره وأقربائه ومحاسبيه وزبانيته، وأغلب هذه الدول في العالم الثالث، وما بقي غير القليل منها بعد سيادة المبدأ الديمقراطي وسقوط الاشتراكية الماركسية في أكبر معقل لها- الاتحاد السوفيتي- كما سنأتي عليه لاحقاً.
- أما المفهوم الآخر للحكم في العالم فهو المذهب الاشتراكي الذي ينظر إلى الجماعة أنها هي الغاية بعكس المذهب الفردي الديمقراطي الذي ينظر إلى الفرد بأنه الغاية، ويقرر المذهب الاشتراكي أن نشاط الدولة يتمثل في إلغاء الملكية الخاصة للأفراد وتملك الدولة لوسائل الإنتاج وإدارتها ويزول النشاط الفردي في الميدان الاجتماعي والاقتصادي ويكون لها وحدها السلطة والكلمة العليا والوحيدة.
- ولسنا هنا بصدد تفصيل المذهب الاشتراكي الذي يعرفه المختصون، ونكتفي بذكر فلاسفة هذا المذهب في القرن التاسع عشر وهما (كارل ماركس) و (فردريك إنجلز)، وهم / أي أتباع هذا المذهب– يرون أن تحقيق العدالة الاجتماعية تأتي من إعلاء شأن الجماعة ومصلحتها على مصلحة الفرد،، وعدم استغلال الإنسان للإنسان، وعلى عدالة توزيع الإنتاج على أساس مبدأ «لكل بقدر عمله» أو على أساس مبدأ « لكل بقدر حاجته» ونكتفي بالإحالة إلى كتاب رأس المال الشهير التي تقوم الاشتراكية على أساس كبير منه، وعلى كتابات الثائر فلاديمير ايلتش اوليانوف (لينين) قائد الثورة في الاتحاد السوفيتي على القياصرة الروس وبداية الحكم الاشتراكي – الشيوعي – في دول الاتحاد السوفيتي في بداية القرن العشرين، ثم شيخوخة هذا النظام نتيجة التطبيق وسقوطه في نهايات القرن العشرين (1990 - 1991) وانفصال دول كثيرة منه استقلت وأصبحت تتبع المبدأ الديمقراطي البرلماني، هذا بغضّ النظر عن رأينا به وبتفاصيله، وهل هو صالح للتطبيق أم غير ذلك، وبقيت بعض الدول في العالم وما زالت تتبع هذا النظام مثل كوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها في أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، مشيراً إلى أن دول أخرى في العالم كانت تتبنى هذا النظام وبأشكال مختلفة.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق