عرفت إنفيديا في بداياتها كشركة متخصصة في تطوير وحدات معالجة الرسوميات (GPU) لأغراض الألعاب والتصميم ثلاثي الأبعاد. لكن هذه الوحدات أثبتت جدارتها في تنفيذ المهام الحسابية المتوازية بكفاءة عالية، ما حوّل "إنفيديا" إلى رائدة في مجال الحوسبة عالية الأداء. ومنذ مطلع الألفية الجديدة، توسعت الشركة في تقديم منصات متكاملة للذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وهي منصات باتت تُستخدم في مجالات حيوية مثل تحليلات البيانات الضخمة والروبوتات والسيارات ذاتية القيادة وغيرها. واليوم تسعى إنفيديا إلى توظيف هذه القدرات الحسابية والبرمجية لرفد القطاع الدوائي بأدوات ثورية تساعد على تسريع الاكتشافات وتقليل التكاليف.
عزيزي القارئ، يشهد مجال تصميم الأدوية تحولا لافتا نحو الاعتماد على الخوارزميات الذكية التي تقيّم آلاف المركبات الدوائية المحتملة وتحدد الأكثر جدوى وأمانا. وتوفر وحدات المعالجة الفائقة من شركة إنفيديا سرعة عالية في تدريب نماذج تعلم الآلة ومعالجة البيانات. حيث باتت شركات الأدوية تبحث عن حلول حاسوبية قادرة على معالجة المحاكاة الجزيئية والبيانات الضخمة الصادرة عن التجارب السريرية وتحليلات الجينوم. وترى إنفيديا في هذا الطلب المتزايد فرصة لتوسيع نطاق أعمالها خارج إطار مجالها التقليدي في شرائح الألعاب الالكترونية. لا يخفى عليك عزيزي القارئ أن تصميم الأدوية يتطلب إجراء عمليات معقدة في مجال فيزياء الكم وكيمياء الجزيئات وتنبؤ التفاعلات البروتينية. ونظرا لتفوق بنيتها المعمارية في مجال HPC، تمتلك إنفيديا المفتاح لتسريع هذه الحسابات وتقديم نتائج في وقت قياسي.
حيث قد دشّنت إنفيديا واحدا من أقوى أجهزة الحوسبة الفائقة في أوروبا داخل المملكة المتحدة تحت اسم "كامبريدج-1". وصمم هذا الحاسوب العملاق لدعم الأبحاث الطبية والدوائية بالتعاون مع شركات كبرى مثل شركة أسترازينيكا (AstraZeneca) وغلاكسو سميث كلاين (GSK)، وهو يهدف إلى تسريع اكتشاف الأدوية وتحليل الجينوم وتجهيز نماذج الذكاء الاصطناعي، وأيضا أطلقت إنفيديا منصة خاصة للذكاء الاصطناعي موجهة لدعم العلماء في محاكاة التفاعلات الجزيئية وتحليل الصور الحيوية والبيانات السريرية. وتضم المنصة أدوات لتصميم الأدوات البرمجية وتدريب النماذج بسرعة، ما يقلل من زمن إجراء الاختبارات الأولية ويعزز دقة النتائج. عملت أيضا إنفيديا على تكوين شراكات استراتيجية مع عدة شركات دوائية عالمية وناشئة، لتوفير حزم متكاملة تجمع بين العتاد (Hardware) والبرمجيات الخوارزمية. تسعى هذه الشراكات إلى تمكين الباحثين من الاستفادة من قوة المعالجة بالتوازي مع منصّات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ما يساعد في ترشيد تكاليف الأبحاث ورفع كفاءة تصميم المركبات الدوائية.
على الرغم من الفرص الهائلة، يواجه هذا التوجه عددا من التحديات أهمها المتطلبات المالية الكبيرة للحصول على أنظمة حوسبة فائقة الأداء، وتأهيل الكوادر البشرية المتخصصة في فيزياء الكم والذكاء الاصطناعي وعلوم الأحياء الجزيئية. كما تبقى قضايا الخصوصية والأمان محورا للنقاش، خصوصا عند التعامل مع بيانات صحية حساسة. ومع ذلك، تبدو إنفيديا عازمة على توسيع بصمتها في هذا القطاع، مدعومة بخبرتها الطويلة في الحوسبة عالية الأداء وامتلاكها منصّات برمجية متطورة، إلى جانب السعي لشراكات استراتيجية تدمج بين عمالقة التكنولوجيا وقطاع الصيدلة والبحوث الطبية.
لا شكّ، أن دخول إنفيديا مجال الصناعات الدوائية يمثل نقطة تحول مهمة، سواء من حيث السباق العالمي لتطوير الأدوية بوتيرة أسرع، أو من زاوية تعميق استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة في المجالات الحيوية. وبقدر ما يبدو هذا التوجه واعدا لخفض التكاليف وتقصير المدة الزمنية اللازمة لاكتشاف أدوية جديدة، فإنه أيضا يسلط الضوء على الدور المتنامي لشركات التكنولوجيا في صياغة مستقبل الرعاية الصحية عموما وصناعة الأدوية خصوصا.
في نهاية المطاف يستفيد المريض والمجتمع العلمي معا من تعزيز التعاون بين علوم الحاسوب والطب، فتصبح الابتكارات الدوائية أقرب إلى أرض الواقع، ونخطو خطوة إضافية نحو مواجهة التحديات الصحية.
nabilalhakamy@
0 تعليق